الصفحة 19 من 100

تلك نماذج قليلة لبعض ذوى المواهب من العلماء الفقهاء، ولو أننا أطلقنا للقلم العنان لامتد هذا التقديم طولا ليصير سفرا، وفاض عرضا ليصير كتابا، ولكنا أردنا أن نضع شيخنا الجليل محمدا الغزالى في مكانه الرحب الخليق به بين جمهرة الأفذاذ ذوى المواهب من العلماء الشعراء. * * * فقهاء عشاق شعراء: أما وقد عرضنا لهذه الفنون الرصينة من شعر الفقهاء، وهى تجرى جميعها في مضمار الدين وحسن السلوك ومكارم الأخلاق، فإن خاطرا ما قد يثور في نفس قارئ، فحواه استفهام عما إذا لما يجر قلم شاعر فقيه كى يترجم عن خفقات قلبه ونوازع فؤاده، فالفقهاء بشر لهم قلوب تخفت ونفوس تعشق وجوانح يضنيها العشق ويسهرها الغرام. إن الإجابة على هذا التساؤل تقع في نطاق الإيجاب، غير أن حياء الفقيه وتصونه يمنعانه من الإعلان، ووقار العلم ومكانته تقفان دون البوح والشكاية، ولكن وعلى الرغم من ذلك فقد وجد الفقهاء العشاق والعلماء المحبون الذين لم يستطيعوا الكتمان، فباحوا بمكنونات مشاعرهم، ولم يتحملوا عبء الصبابة، فترجموا عن وجدهم وصبابتهم شعرا جميلا أخاذا، وغزلا رقيقا عفيفا، حفظته الخواطر وروته الأجيال. هذا الفريق من الفقهاء العشاق ليسوا من الكثرة بمكان بحيث يشكلون ظاهرة في مجتمع العلماء، ولكنهم وجدوا على أية حال، وذاع شعرهم وشاع غزلهم، ورددته ربات الخدور مثلما رجعته ألسنة الرجال. كان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود واحدا من هؤلاء الشعراء الفقهاء العشاق، وهو فقيه إمام من صفوة التابعين، وهو أيضا أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة في عصر التابعين ولكنه كان رقيق الحس، مشبوب العاطفة في ثوب من العفة، وإطار من التصون قولا وسلوكا، ومن قصائده الغزلية التى سارت مسرى النجوم اللامعة في كبد السماء الصافية وغناها كبار المغنين في المدينة قوله: ص _024

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت