والقول الثاني في هذه المسألة وهو الصحيح أنهم لا يلزم الناس كلهم بل يلزم أهل البلد وحدهم, ولا يعني هذا تفرقة الأمة وتشتيتها كما يدعي البعض قول هذا .. ويريد توحيد بداية الشهر والحسابات الفلكية .. فإن بداية شهر رمضان ونهايته تختلف باختلاف المطالع تماما كاختلاف أوقات الصلوات من بلد إلى بلد.
ثم قال رحمه الله"أو جماعا"
أي أن يتعمد الصائم الذاكر لصيامه الجماع؛ فإنه يبطل صيامه بخلاف الناسي ففيه خلاف.
ثم قال رحمه الله"أو استمناء"
أي أن يتعمد الصائم الذاكر لصيامه الاستمناء.
والاستمناء: السين والتاء في اللغة تعني الطلب فالاستمناء معناه: استدعاء الإنسان خروج المني بفعله أو بفعل غيره.
ثم قال رحمه الله"أو إنزال بتكرار نظر"
أي: أن يتعمد الصائم الذاكر لصيامه تكرار النظر لما يثيره حتى أنزل بسببه , ويفهم منه أنَّ من أنزل مع عدم تكرار النظر أو بغير إرادة منه فلا شيء عليه ويبقى على صيامه؛ لعدم إمكانية التحرز من ذلك؛ ولأنه ليس من فعله وإرادته وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
ثم قال رحمه الله"لا غبار ونحوه أو ريق معتاد .."
والمعنى أن الغبار وما كان في معناه يدخل جوف الإنسان بغير إرادة منه ويصعب التحرز منه؛ أما إنْ قصد شيئا من ذلك فإنَّ صيامه يبطل؛ لأنه دخل بفعله وإرادته.
أما الريق فلا يُفَطِّر للمشقة الحاصلة في التحرز منه هذا ما لم يجمعه؛ أما إنْ جمعه ففيه خلاف هل يُفطر أم لا؟
ثم قال رحمه الله"وحجما واحتجامًا"
حجما: المراد به من يفعل الحجامة وهو الحجام لأنه يمص الدم غالبا أما إن بدون مص فلا فطر في حقه.
وأما المراد بقوله"احتجاما"أي فعل المحجوم فيفطر؛ لأنه سبب في ضعف البدن أشبع القيء.
وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن الحاجم والمحجوم يفسد صومهم ودليله حديث شداد بن أوس رضي الله عنه عند أبي داود [2371] عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ اخِذٌ بِيَدِي لِثَمَانَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَقَالَ"أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَى خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ بِإِسْنَادِ أَيُّوبَ مِثْلَهُ.
والقول الآخر وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أنها لا تفطر.
وأجابوا عن حديث شداد بن أوس رضي الله عنه وما كان في معناه أنها منسوخة, واستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما كما عند البخاري [1973] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم احْتَجَمَ، وَهْوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهْوَ صَائِمٌ.
وحديث أبي سعيد الخدري عند ابن خزيمة قال:"رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة للصائم ورخص في الحجامة"صححه الألباني في الإرواء.
فكونه يقول (رخص) يدل على أنه لم يرخص في السابق, فالرخص في الشريعة لا تأتي إلا بعد عزيمة.
وهو القول الأقرب للصواب.
ثم قال رحمه الله"ولو أكل شاكًا في الغروب .."
مثاله:
إنسان أفطر مع عدم يقينه أن الشمس قد غربت بل يشك في غروبها ثم تبين له أنها لم تغرب.
يقول المصنف رحمه الله في هذه الحالة يلزمك القضاء؛ لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان وما ثبت بيقين فلا يزول إلا بيقين , فالأصل بقاء النهار وعدم غروب الشمس؛ أما إن غلب على ظنه غروبها فلا قضاء عليه وصومه صحيح.
ثم قال رحمه الله"لا الفجر"
أي أن هذا الحكم لا يجري في الفجر فمن جامع أو أكل أو شرب شاكا في طلوع الفجر فلا شيء عليه لأن الأصل بقاء الليل فمتى ما تبين له دخول الفجر لزمه الإمساك ولا قضاء عليه.
ثم قال رحمه الله"أو اعتقده ليلا فخالف قضى .."
أي إن أكل معتقدًا بقاء الليل فخالف اعتقاده فبانَ نهارًا؛ فإنه يقضي صيامه.
واختار ابن تيمية أنه لا قضاء عليه؛ واستدل رحمه الله تعالى بما رواه البخاري [1996] عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ـ رضي الله عنهما ـ قَالَتْ أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. قِيلَ لِهِشَامٍ فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ قَالَ بُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشَامًا لاَ أَدْرِي أَقْضَوْا أَمْ لاَ.
ثم قال رحمه الله"ويتحرى الأسير ويجزئه إن وافقه أو بعده."
مراد المصنف رحمه الله أن من وقع في الأسر , ولم يتمكن من معرفة دخول الشهر ولا خروجه؛ فإنه يجتهد ويصوم وفق ما يمليه عليه اجتهاده مع بذل الوسع والجهد والطاقة من التحري ونحو ذلك إلا إن تبين له أنه صام قبل دخول الوقت فإنه يلزمه قضاء ما صام قبله لأنه فعل عبادة قبل وقتها.