وهو أن تكتمل عدة الشهر فإن الشهر لا يزيد عن ثلاثين يوما فمتى ما تمت العدة ابتدأ الشهر الذي يليه ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما كما عند مسلم [2563] وغيره (إِنَّا اُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - وَعَقَدَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ - وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) ". يَعْنِي تَمَامَ ثَلاَثِينَ."
ثم قال رحمه الله"أو إحالة غيم أو قتر دونه ليلة الثلاثين .."
ما سبق متفق عليه؛ أما هذا السبب ففيه خلاف وهو ثالث ما يجب به الصيام على قول المصنف؛ وهو أن يحول دون رؤية الهلال غيم أو قتر فإنه في هذه الحالة يجب الصيام واستدلوا بما أورده الإمام أحمد في مسنده [4258] عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَاِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ قَالَ نَافِعٌ فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ فَاِنْ رُئِيَ فَذَاكَ وَاِنْ لَمْ يُرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا وَاِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا.
هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى فإنهم فسروا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما (فاقدروا له) أي ضيقوا عليه أخذا من قوله تعالى في سورة الأنبياء (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) سورة الأنبياء الآية 87.
والصحيح خلافه وهو قول الجمهور واختيار ابن تيمية رحمه الله فإنه لا يجب صيامه؛ بل يجب عند عدم رؤية الهلال إتمام شعبان ثلاثين لما روى البخاري [1909] ومسلم [1081] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) .
ويجاب عن استدلال من أخذ بقول المصنف رحمه الله تعالى:
1/ أن ابن عمر رضي الله عنه لم يوجبه على غيره؛ ومعلوم أن ابن عمر له اجتهادات تفرد بها عن غيره من الصحابة كغَسْلِ داخل عينيه في الوضوء , وتتبع ما مرَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
2/ إن اجتهاد ابن عمر رضي الله عنهما مقابل باجتهاد غيره من الصحابة وفعلهم , والأحاديث التي تدل على وجوب الصيام في مثل هذه الحالة ومنها:
-حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه عند النسائي [2200] مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم.
-أن الأصل بقاء الشيء على ما كان وأن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين, فنبقى على الأصل وهو بقاء شعر شعبان حتى نتيقن دخول شهر رمضان.
-ويجاب عن تفسيرهم للفظ الحديث"فاقدروا له"أن المراد أبلغوه قدره وتمامه لا التضييق عليه , كما تدل عليه الأحاديث الأخرى كحديث أبي هريرة السابق وما روى مسلم [2570] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
"لاَ تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَيْنِ إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ".
ثم قال المصنف رحمه الله"وإنما يقبل عدل في رمضان"
شرع المصنف رحمه الله في بيان شرط قبول الرائي وهو أن يكون عدلًا , ولم يُفرق بين الذكر والأنثى , ولم يشترط التعدد في العدد بل يكفي أن يرى الهلال واحد.
والعدل: هو من استقام دينه ومروءته, وكان موثوقا بخبره.
ويمكن أن نجمل الصفات المطلوبة في الرائي على نحو ما يلي:
1/ استقامة الدين استقامة تجعله موثوقا بخبره.
2/ أن تكون له مروءة تمنعه من التسرع والوقوع فيما لا يحمد.
3/ قوة الحواس كالعقل والبصر.
ثم قال المصنف رحمه الله"ورؤيته نهارا للمقبلة"
يريد المصنف رحمه الله بهذا بيان حال من خفي عليهم رؤية الهلال فرأوه نهار الثلاثين هل يلزمهم الإمساك بناء على أن الهلال لليلة الماضية أم لا يلزمهم بناء على أنه لليلة المقبلة؟
المصنف بيّن هنا أنه هنا لليلة المقبلة ذكر هذا ليرد على من قال بأنها لليلة الماضية لأن الرؤية لا عبرة بها قبل الغروب ويدل لذلك ما أورده الدارقطني [2/ 168] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله"إذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا, إلا أن يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس عشية".
ثم قال رحمه الله"ورؤية بلد لجميع الناس .."
أي إذا رؤي الهلال في بلد فإنه يلزم الناس كلهم الصيام.