والقول الثاني وله ثقله أنه لا يقضي؛ لأنه عمل وفق اجتهاده والرسول صلى الله عليه وسلم قال كما عند مسلم [4584] عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، اَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ"إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَاَ فَلَهُ أَجْرٌ".
قال المصنف رحمه تعالى"يسن تأخير سحور, وتعجيل فطر على رطب, ثم تمر, ثم ماء ..."
ابتدأ المصنف رحمه الله في هذا الفصل بذكر ما يسن فعله من قبل الصائم فقال"ويسن تأخير سَحور"
السحَُور بفتح الحاء هو ما يؤكل, وبالضم هو الفعل.
قال"يسن"أي ليس بواجب؛ ولا يلزم من مخالفة هذا الأمر ارتكاب محظور وفعل محرم.
أي يسن لمن أراد الصيام أن يؤخر السحور فلا يتسحر أول الليل؛ بل يجعل سحوره قبل الفجر بوقت يكفي لتسحره وأكله؛ ودليل ذلك ما ورد عند البخاري [1955] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ. قُلْتُ كَمْ كَانَ بَيْنَ الآَذَانِ وَالسَّحُورِ قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً.
وأيضا ما ورد عنده [1954] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وفوائد ذلك كثيرة .. منها:
1/ الإعانة على القيام لصلاة الفجر وأداءها مع الجماعة والدخول في ذمة الله تعالى حتى المساء.
2/ تخفيف الجوع في وقت النهار؛ فإن من تسحر قبل أن ينام في أول الليل في الساعة الحادية عشر مثلًا؛ سيكون جوعه أشد ممن تسحر قبيل الآذان.
ثم قال"وتعجيل فطر"
أي ويسن للصائم أن يعجل بالفطر وليس معنى هذا أن يفطر قبل الوقت! كلا؛ بل يستعد للفطر ويهيئه , ودليل ذلك ما ورد عند البخاري [1994] ومسلم [2608] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ"لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ".
وفيه أيضا مخالفة لمن خالف شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم , وإبهاج النفس وتصبيرها بقرب الفطر , وكأنه يشير إلى أن الحسنات والأعمال الصالحة تحتاج لصبر , وسيحل بعدها الأجر العظيم؛ وفي تعجيل الفطر من الإشارات التي تعين العبد على الطاعات ما لا يتسع المجال لذكره.
ثم قال"على رطب, ثم تمر, ثم ماء"
بعدما انتهى المصنف رحمه الله من ذكر ما يسن في الوقت ابتداءً وانتهاءً شرع رحمه الله في ذكر ما يسن الإفطار عليه؛ فقال"على رطب ثم تمر ثم ماء"
والرطب هو التمر اللين بخلاف التمر - فإنه القاسي أو الناشف أو اليابس سمه ما شئت - ثم ماء.
وذكر بين هذه الأنواع حرف"ثم"وهي أداة تعرف عند أهل اللغة بأنها تفيد التعقيب؛ بمعنى إن لم يجد رطبًا فعلى تمر , وإن لم يجد تمرًا , فعلى ماء؛ ودليل ذلك ما ورد عند الترمذي [700] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ". قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
* وفي هذا الترتيب فائدة؛ فإن الرطب أفضل من التمر , وذلك لكثرة ماءه وبرودته وحلاوته , فهي تبرد كبد الصائم بعد الجوع الذي كان معه ويستفيد منها فائدة كبيرة , ويهضمها الجسم ويأخذ فوائدها أسرع من التمر؛ وقد ذكر الرطب في كتاب الله تعالى لمريم البتول أم عيسى عليه السلام عندما أجاءها المخاض فأمرها اللطيف الخبير أن تهزَّ إليها بجذع النخلة تساقط عليها رطبًا جنيا , وهو كذلك فقد وجد أن الرطب فيه فوائد لمن أتاها الوضع؛ فإنه يسهل لها أمرها بإذن من الله , وله فوائد كبيرة وكثيرة لا حصر لها قال الله تعالى في سورة مريم (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) الآية 25.
* وفي هذا تنبيه لطيف؛ وهو الترتيب والتدرج والرفق فلا يحسن بالمرء عند الإفطار وسماع المؤذن أن يأكل من جميع أنواع الطعام! وهذا ما ينصح به الأطباء ويعرفه كبار السن فإنهم كانوا في السابق لا يعطون الماء لمن وجدوه في حالة يرثى لها من العطش إلا بالتدرج لكي لا يضره؛ لذا من الخطأ ما يفعله بعض الناس من وضع جميع الطعام بعد الأذان فمع ما فيه من ضرر فإنه يؤخرهم عن الحضور إلى الصلاة ويجعلها ثقيلة عليهم.
ثم قال رحمه الله"والذكر عنده"