ليس المجاهدون لأنفسهم، والمنتصرون على شهواتهم ملائكة ولا هبطوا من القمر ولا هم من طينة غير البشر، بل هم بشر فيهم الشهوات وفيهم الخطأ والصواب تعقلوا وعقلوا، فهذا رجل سعى إلى الحرام وحين ظفر به فكر للحظة واتخذ القرار الذي أسعده في حياته الباقية، إنه رجل صدق فيه قول الله تعالى:"إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ" [الأعراف:201] فهو ما إن جاءه داعي الله حتى زالت الغشاوة من فوق عينيه..
فقد حكى الحسن البصري - وانظر إلى مكانة الراوي ومصداقيته-: كانت امرأة بغي قد فاقت أهل عصرها حسنًا، حتى سماها الناس"الملكة"ولا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار ( حوالي 425 جراما من الذهب الخالص ) ، رآها رجل فقير فطيرت عقله، فذهب يعمل بكل ما أوتي من قوة حتى جمع المطلوب - لاحظ حلمه بها وسيطرة الشيطان عليه ورغبته الشديدة -، فجاء فقال: إنك قد أعجبتني، فانطلقت فعملت بيدي وعالجت حتى جمعت مائة دينار، فقالت: ادخل . فلما دخل، وكان لها سرير من ذهب فقالت: هلم إلي.. فلما جلس منها مجلس الخائن- لاحظ أن هذا منتهى أمله -، تذكر مقامه بين يدي الله فأخذته رعدة ورجع إلى عقله فقال: اتركيني لأخرج . فثارت لأنها رأت أن هذا انتقاص من قدر جمالها.. فقالت له: لا أتركك أبدًا، فقال: اتركيني ولك المائة دينار، فقالت: ماذا جرى؟! .. لقد كدحت حتى جمعت مائة دينار فلما قدرت على ما تعشق تركته؟! فقال: والله ما حملني على ذلك إلا الخوف من الله، وذكري مقامي بين يديه، كيف أجيبه إن سألني؟! .. وبم أرد إن حاسبني؟! فبكت وقالت: إذن تتزوجني؛ فلنعم الزوج أنت . فقال: لها ذريني لأخرج . قالت: لا، إلا أن تجعل لي عهدًا أن تتزوجني. فقال: لعل. فتقنع بثوبه ثم رجع إلى بلده .
فانظر إلى هذا الذي أدرك نفسه قبل فوات الأوان إنه القرار الذي لم يكلفه شيئًا إلا التبصر وإعمال العقل..