الصفحة 70 من 119

وقوله صلى الله عليه وسلم: «حيثما كنت» أي: في أي مكان، فإن بعض الناس يكون تقيا في مكان دون مكان، بعض الناس إذا كان مع أصحابه وبين قومه أظهر الخوف من الله باجتناب المعاصي، وإذا خلا بمحارم الله انتهكها والعياذ بالله، وهذا من أسوأ ما يكون، فقد ثبت عند ابن ماجة عن ثوبان - رضي الله عنه - ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا» . - وهو ما يُرى في ضوء الشمس من خفيف الغبار- فقال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا جلِّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. فقال: «أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» .

لقد كان أسلافنا يحذرون من الرياء، فكان الواحد منهم مع نفسه أتقى وأبرَّ لله منه مع الناس، بخلاف حال كثير منا، نحذر الناس ونتدثر بينهم بثوب التقى، فإذا خلونا فلا تسألْ عن حالنا!

فراقب الله يا عبد الله حيثما كنت، واعلم أن الله لا تخفى عليه خافية، قال تعالى: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } .

قال ابن المبارك رحمه الله لرجل: راقب الله تعالى. فسأله الرجل عن تفسيرها، فقال له: كن أبدًا كأنك ترى الله عز وجل (إحياء علوم الدين للغزالي 4/ 297)

فلا ينبغي لأحدنا أن يجعل الله أهون الناظرين إليك.

ولله در القائل:

إذا خلوت الدهر يومًا فلا تقل خلوت ولكن قل على رقيب

ولاتحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت