فالوصية الأولى تضمنت الاجتهاد في إيقاع الصلاة على أكمل حال وأحسنه. هب أخي الكريم أنك علمت بأن صلاة الظهر القادمة هي آخر صلاة، كيف سيكون حالك عند أدائها؟ لا شك أنه ستكون أفضل صلاة قمت بها، فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غيره في قوله وفعله، ستراعي أركانها، وواجباتها، وسننها، وخشوعها، ولو كان هذا حالنا مع صلاتنا لانصلح أمرنا، أما قال تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ؟
قال بكرٌ المزنيُّ رحمه الله:"إذا أردت أنْ تنفعَك صلاتُك فقل: لعلِّي لا أُصلِّي غيرها".
وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء عن معروف الكرخي رحمه الله أنه أقام الصلاة، ثم قال لرجل: تقدَّم فصلِّ بنا، فقال الرجل: إنِّي إنْ صليتُ بكم هذه الصلاة لم أُصلِّ بكم غيرَها ، فقال له معروف: وأنتَ تحدِّث نفسك أنّك تُصلِّي صلاةً أخرى؟ نعوذُ بالله من طولِ الأمل؛ فإنَّه يمنع خيرَ العمل.
فهذه الصلاة التي أشار إليها نبينا صلى الله عليه وسلم هي صلاة المحسنين؛ لأن الإحسان عرفه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإنه لم تكن تراه فإنه يراك» رواه الشيخان.
وإن مما يعين على تحقيق ذلك أن تعلم أنه ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت، ففي سنن أبى داود، عن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشرُ صلاته، تسْعُها، ثمنها، سبْعُها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثا، نصفها» . وإن الرجلين ليكونان في الصف الواحد والفرق بينهما في صلاتهما كما بين السماء والأرض.
الوصية الثاني: ولا تكلَّمْ بكلام تعتذر منه غدا
أصله: ولا تتكلم. وإنما حذقت إحدى التاءين تخفيفًا.
وهذه وصية بحفظ اللسان، ليس المقصود منها ألا تعتذر، فمن أخطأ ولم يعتذر فقد أساء مرتين، وإنما المراد أن تحفظ لسانك، أما إذا أخطأت فلابد من الاعتذار. فالنهي عما يعتذر منه وليس عن الاعتذار.