الصفحة 21 من 119

أي: إن كان ينطقون ففعله كبيرهم هذا ، ولكنهم لا ينطقون فكيف يفعله. وقيل أراد لهم ضرب المثل. كما قال الملكان لداود عليه السلام: { إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } ولم يكن أخاه وليس له نعاج ، وإنما جرى الكلام مجرى التنبيه لداود عليه السلام على ما فعل ، والمراد ضرب المثل. قال ابن كثير رحمه الله في حديث: «كذب إبراهيم ثلاث مرات» :"ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله، حاشا وكلا ، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزًا ، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث: «إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» ".

والمعاريض جمع مِعْراض، والتعريض أن تقول كلامًا محتملًا تقصد به خلاف ما يظنه السامع، ولا حرج فيها، وحديث: «إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» لا يصح مرفوعًا، ولكنه ثبت عن عمران بن حصين عند البخاري في الأدب المفرد بإسناد صحيح.

والمراد: إن في المعاريض فسحةً وسعة.

وسأذكر بعض النماذج التي ذكرها ابن قدامة رحمه الله في المغني في هذا الباب:

فمن ذلك ما روي من أن مُهَنا والمروذي وجماعة كانوا عند الإمام أحمد، فجاء رجل يطلب المروذي، ولم يرد المروذي أن يكلمه، فوضع مهنا أصبعه في كفه وقال: ليس المروذي هاهنا وما يصنع المروذي هاهنا؟ يريد ليس هو في كفه، ولم ينكر ذلك أبو عبد الله.

وروي أن مهنا قال للمروذي: إني أريد الخروج -يعني السفر إلى بلده- وأحب أن تسمعني الجزء الفلاني، فأسمعه إياه ثم رآه بعد ذلك فقال: ألم تقل إنك تريد الخروج؟ فقال له مهنا: قلت لك إني أريد الخروج الآن؟ فلم ينكر عليه.

وكان إبراهيم النخعي إذا طلبه إنسان ولم يرد لقياه خرجت إليه الخادم وقالت: اطلبوه في المسجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت