وقد نظر الفقهاء إلى مسئولية الطبيب الجنائية من زاويته العامة باعتباره طبيبًا وصاحب دواء وكان لنظرتهم هذه ما يبررها لأن الطبيب في ذلك الوقت كان يقوم بمهنتي الطب والدواء معًا - كما قيل آنفًا - فقالوا: إذا أكره الطبيب مريضه على قطع جزء منه فيه أكلة أو سلعة فما يترتب على فعله وسرايته يضمنه بالقصاص، ولا ينفي مسئوليته إلا كون المريض صغيرًا والطبيب القائم على علاجه وليه أو وصيه أو الحاكم أو أمينه المتولي عليه لأنه قصد بفعله مصلحته (1) ·
والصيدلي في الزمن المعاصر لن يُكْرِه المريض على قطع جزء منه لأن ذلك من مهنة الطبيب الجراح ولكنه قد يكره مريضه على تناول دواء مميت ففي هذه الحالة يعتبر جرمه مثل جرم الطبيب الذي يكره مريضه على قطع جزء منه ·
وينطبق على القتل العمد بواسطة الدواء ما ينطبق على حالات القتل الأخرى من شرط وقوع الوفاة، وكونها قد نتجت عن تناول الدواء، وكون الصيدلي قد قصد إحداثها، كما ينطبق عليه ما ينطبق من شروط بالنسبة للقاتل من كونه عاقلًا بالغًا غير مأمور وغير مكره على خلاف بين الفقهاء في مسألة الأمر والإكراه كما ذكر آنفًا ·
وقد لا يفضي الدواء إلى القتل بل يحدث أضرارًا أقل منه كالشلل والعمى والجنون ونحو ذلك من الأضرار الجسمانية الأخرى نتيجة الغش في بيعه كتقليد نوع من أنواعه أو بيع ما تلف أو فسد أو تلوث منه ففي كل هذه الأحوال وأمثالها يطبق على الصيدلي ما يطبق على الفاعل العادي من عقوبات مقدرة أو تعزيرية وفقًا لطبيعة الجرم وآثاره ·
المبحث الثاني: الضمان أو الجزاء في نطاق المسئولية المدنية:
قد يكون الصيدلي حسن النية عالمًا بمهنته حريصًا على أدائها بكل أمانة ومع ذلك يخطئ فيسبب بخطئه ضررًا للمريض ومن ذلك على سبيل المثال تركيبه الدواء خلافًا للقواعد العلمية كزيادة عنصر غير مطلوب في التركيب، أو إنقاصه أو بيعه دواء للمريض على عكس ما وصفه له الطبيب، أو بيعه دواء قد انتهت مدة صلاحه أو وضعه دواء في مكان حار رغم ما يجب من وضعه في مكان بارد مما أدَّى إلى فساده وهكذا، وفي كل هذه الأحوال يجب الضمان على الصيدلي جزاء خطئه وإهماله وقد ذكر ابن الإخوة الأسلوب المتبع في الماضي وطريقة الضمان في حال خطأ الطبيب الصيدلي بقوله: (وينبغي إذا دخل الطبيب على المريض سأله عن سبب مرضه وعما يجد من الألم