ظروف أزمنتهم وأمكنتهم، فكان للطب أصوله وللدواء أصوله وشروطه، ومن هذه الشروط العلم به والعلم يطلب من مصادره وعلى أصوله ومناهجه وذلك ما فعله الأطباء الأقدمون فقد سافر الحارث بن كلدة الثقفي من بلده الطائف إلى بلاد فارس ليتعلم الطب والدواء في مدرسة (جند يسابور) الطبية وعاد منها بعد ما درس الطب ثم امتهنه حتى برع فيه وسمي (طبيب العرب) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصح أصحابه رضوان الله عليهم بالعلاج عنده فعالج عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما (2) ·
ومع تطور الدولة الإسلامية وانتشار الإسلام في الآفاق تطور علم الطب وعلم الدواء في الدولتين الأموية والعباسية شأنهما شأن العلوم الأخرى كعلم التربية والقضاء وغيرهما فكما كان القاضي لا يتولى القضاء إلا بعد معرفة علمه وسلوكه وأخلاقه وكما كان معلم الصبيان لا يعلمهم إلا بعد أن يكون عالمًا بأصول التعليم كان الطبيب الصيدلي لا يمارس مهنة المداواة إلا بعد أن يتلقى العلم عند طبيب أو عَشَّاب أو في مدرسة طبية، ولم يكن ادِّعاء العلم بالطب والدواء كافيًا بل لابد من التدليل عليه فعندما أخطأ طبيب في عمله وتوفي المريض منع الخليفة المقتدر بالله التطبيب إلا بعد اجتياز الامتحان وكان سنان بن قرة يعقد الامتحان لمن أراد ممارسة مهنة المداواة، ويكتب له رقعة بخطه وقد بلغ عددهم أكثر من ثمانمائة في مدينة بغداد (1) ·
وقد ورد نص الشهادة التي كانت تمنحها مدارس الطب في بغداد وفي غيرها لمن يريد مزاولة الجراحة كما يلي: (بسم الله الرحمن الرحيم: بإذن الباري العظيم نسمح لـ(فلان) بممارسة فن الجراحة لما يعلمه حق العلم ويتقنه حق الإتقان حتى يبقى ناجحًا وموفقًا في عمله، وبناء على ذلك فإن بإمكانه معالجة الجراحات حتى تشفى وفتح الشرايين واستئصال البواسير وخلع الأسنان وتخييط الجروح وطهارة الأطفال وعليه أيضًا أن يتشاور دومًا مع رؤسائه ويأخذ النصح من معلميه الموثوق بهم وبخبرتهم) (2) ·
والشهادة بممارسة الجراحة شهادة - في ذات الوقت - بمعرفة الدواء فالجراح يفترض فيه معرفة الأدوية التي تسكن الألم بعد الجراحة ومعرفة الأدوية التي تبرئها ومعرفة الأدوية التي تمنع كل التهاب قد ينشأ عنها فكانت الشهادة بمعرفة الجراحة شهادة بمعرفة الدواء وطرقه وأوصافه ·
وقد بلغ علم الأدوية في الزمن المعاصر تقدمًا كبيرًا بفعل تقدم التقنية وتطور