الأخير من الكلمة؛ لاضطرار النّاس في الأكثر إلى أواخر الكَلِم، وحصر اللّغة اقتداء بحصر الخليل؛ فيكون بذلك أوّل مَن التزم الصّحيح مقتصرا عليه؛ ولهذا سمّى كتابه ب (الصِّحاح) ،وقال في خطبة هذا الكتاب: (أمّا بعدُ فإنِّي قد أودعت هذا الكتاب ما صحَّ عندي من هذه اللُّغة، الّتي شرّف الله منزلتها، وجعل علم الدّين والدّنيا مَنوطا بمعرفتها، على ترتيب لم أُسبَق إليه، وتهذيب لم أُغلَب عليه، في ثمانية وعشرين بابا، وكلّ باب منها ثمانية وعشرون فصلا على عدد حروف المعجم وترتيبها، إلاّ أن يهمل من الأبواب جنس من الفصول، بعد تحصيلها بالعراق رواية، وإتقانها دراية، ومشافهتي بها العرب العاربة، في ديارهم بالبادية، ولم آل في ذلك نصحا، ولا ادّخرت وسعا، نفعنا الله وإيّاكم به) .
وقال أبو زكريّا الخطيب التّبريزي [1] : (وكتاب الصّحاح هذا كتابٌ حسنُ التّرتيب، سَهلُ المطلبِ لِما يُراد منه، وقد أتى بأشياءَ حسنة، وتفاسير مشكلات من اللّغة، إلاّ أنّه مع ذلك فيه تصحيفٌ لا يُشَكُّ في أنّه من المصنِّف لا من النّاسخ؛ لأنَّ الكِتاب مبنيٌّ على الحروف، قال: ولا تخلو هذه الكتبُ الكِبار من سهْوٍ يقعُ فيها أو غلطٍ. وقد ردّ على أبي عبيد في الغريب المصنّف مواضع كثيرة منه، غير أنّ القليل من الغَلط الّذي يقع في الكُتب إلى جنبِ الكثير الّذي اجتهدوا فيه، وأتعبوا نفوسهم في تصحيحه وتنقيحه مَعفُوٌّ عنه) .
ونقل أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدّهر (2/ 118) عن أبي محمد إسماعيل بن محمد بن عبدوس النّيسابوري قوله في كتاب الصِّحاح من المنسرح:
(هذا كتاب الصِّحاح سيِّدُ ما ... صُنِّف قبل الصِّحاح في الأدب
يشمل أنواعه ويجمع ما ... فُرِّق في غيره من الكتب)
وقد تلقّى العلماء كتابه هذا بالقبول. قال ياقوت الحموي في معجم البلدان (1/ 254 إسماعيل بن حمّاد الجوهري) : (وله من التّصانيف ... كتاب الصِّحاح في اللُّغة ... وهذا الكتاب هو الّذي بأيدي النّاس اليوم، وعليه اعتمادُهم. أحسن تصنيفه، وجوّد تأليفه، وقرّب متناوله، وآثر من ترتيبه على مَن تقدّمه، يدلُّ وضعه على قريحة سالِمة، ونفس عالِمة، فهو أحسن من الجمهرة، وأوقع من تهذيب اللُّغة، وأقرب متناولا من مجمل اللُّغة ... هذا مع تصحيف فيه في مواضع عدّة، أخذها المحقِّقون، وتتبّعها العالِمون، ومَن ما ساء قطّ، ومَن له الحسنى فقط؟؟.فإنّه - رحمه الله - غلط وأصاب، وأخطأ المرمى وأصاب، كسائر العلماء الّذين تقدّموه وتأخّروا عنه، فإنِّي لا أعلم كتابا سلم إلى مؤلِّفه فيه، ولم يتبعه بالتّتبُّع مَن يليه) .
وكان الغلط في النِّصف الأخير أكثر، وقيل: إنّ سبب هذا التّصحيف أنّه لمّا صنّفه للأستاذ أبي منصور عبد الرّحيم بن محمد البينسكي البيشكي، سُمع عليه إلى باب الضّاد المعجمة، وعرض له وسوسة، فانتقل إلى الجامع
(1) - المزهر (ص90 - 91) .