الصفحة 41 من 54

ولعل من عجائب القرآن أن تقوم بحفظ وإتقان أدائه ألسنة أعجمية لم تذق حرفًا عربيًا، ومع ذلك نجد أطفالًا وشبابًا، ذكورًا وإناثًا يحفظون عن ظهر قلب، بل ويجيدون أداءه بأحكام التجويد، وهم لا يفهمون جملة واحدة من جمله، أو آية من آياته.

ولقد مرت على الشعوب الإسلامية في آسيا قرون لا تعرف لها لسانًا تتخاطب به غير العربية، على حين توارت اللغات القومية كالأردية، والأفغانية، والتركستانية والإندونيسية، وغيرها، وسادت رموز الكتابة العربية.

ولقد أدرك أعداء الإسلام أن حربهم ضده يجب أن تعتمد على محاربة اللغة العربية، وإحياء اللغات القومية، سعيًا إلى تقليص وجود القرآن، وتهميش عقيدته.

وهذا ما حدث فعلا منذ القديم، فبمجرد أن"ملك التتر والمغول بالمشرق ولم يكونوا على دين الإسلام فسدت اللغة العربية على الإطلاق ولم يبق لها رسم في الممالك الإسلامية بالعراق وخراسان وبلاد فارس وأرض الهند والسند وما وراء النهر وبلاد الشمال وبلاد الروم وذهبت أساليب اللغة العربية من الشعر والكلام إلا قليلا يقع تعليمه صناعيا بالقوانين المتدارسة من كلام العرب وحفظ كلامهم لمن يسره الله تعالى لذلك وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر والشام والأندلس والمغرب لبقاء الدين طلبا لها فانخفضت بعض الشيء، وأما في ممالك العراق وما وراءه فلم يبق له أثر ولا عين حتى إن كتب العلوم صارت تكتب باللسان العجمي وكذا تدريسه في المجالس" (1) .

وفي التاريخ الحديث إبان العهد الاستعماري، والمرحلة الشيوعية، ارتدت أغلبية الشعوب الإسلامية إلى أحلامها القومية، وانتشرت فيها لغات المستعمرين، كالإنجليزية والروسية وتوارت العربية وضعف شأنها تبعًا لضعف شأن العرب في أقطارهم.

2-الموَاجَهَة باللّغات:

(1) المصدر السابق، ص381.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت