الصفحة 40 من 54

وهذا كله يدعونا للقول"لقد عادت الدعوة للعامية أكثر نشاطا مما بدأت به عبر دعاتها السابقين، عادت تطبيقًا من خلال بعض الفضائيات والإذاعات الأهلية" (1) ، وعندما تضاف التباينات المذهبية إلى التنوعات اللهجية واللغوية تصبح أرضية المؤامرات مهيأة للحرث، وتصبح لكل مجموعة مذهبية خصائصها اللغوية تدريجيا. وشيئا فشيئا تتفسخ مشاعر الوحدة العربية (2) .

وقد نقلت مجلة البيان عن الأستاذ الجامعي التونسي (الهادي بالغ) مدرس اللغة الفرنسية، أنه قال: إن"الحديث عن لهجة تونسية على غرار اللهجات العربية الأخرى أمر مغلوط وأوضح: أن"اللغة التونسية"لغة أصيلة يعتمدها أفرد الشعب التونسي في تخاطبهم اليومي"، وهي حسب رأيه"وإن تعرضت إلى ضغوطات سابقة نتيجة الاستعمار، تظل دائمًا محافظة على شخصيتها المستقلة، وعلى كيانها اللغوي المتكامل والمتناسق" (3) .

وقد نتساءل بعد ذلك عن حقيقة (الفصحى) ما هي؟ وغاية ما يمكن أن نقوله هو: أنها مستوى من الأداء اللغوي ملتزم بالنمط القرآني، حفاظًا على شكل الكلمة العربية وزنًا ومعنى، ووصلًا ووقفًا وضبطًا والتزامًا بالمعجم الذي يشير إلى الجائز والممتنع، مع عدم تجاهل ما أوصت به المجامع العربية اللغوية.

والقرآن الكريم هو دستور اللغة الفصحى المعاصرة، ولاسيما في أدائه المتميز، فيما عدا الالتزام بأحكام تجويده.

ونحن بهذا التعريف لا نشق على الناطقين بالفصحى، لأن حفظ القرآن يطلق الألسنة الحافظة (العربية) بنمط الأداء القرآني دون أدنى مشقة. وللقرآن - كما نعلم - دور في الحفاظ على الفصحى، والإبقاء عليها رغم كل عوامل الإحباط التي تحوطها، حتى لقد كادت أن تتحول إلى لغة خاصة، أو بالأحرى: لغة أرستقراطية، لا يستعملها إلا من تتوفر فيهم مواصفات أدبية وعقدية معينة.

(1) الصاوي، كتابة، ص 43.

(2) المرجع السابق.

(3) مجلة البيان - العدد 13 - ذو الحجة 1408هـ - أغسطس 1988م .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت