وإذا كنا نقف أمام تراثنا العظيم، وما أفرزه لنا من فكر لغوي وعلميّ خلاق، بجلال واحترام، ونعدّه زادًا ثريًا منح تاريخنا اللغويَّ موقعًا متقدمًا في المسيرة الحضارية الإنسانية، إلا أننا، وبحكم التطور الذي تشهده البشرية، مدعوون إلى الانتقال في تعلم تلك القواعد، أو، لنقل، تلك القوالب الموروثة، وتعليمها، إلى آفاق جديدة رحبة نرتفع إليها بلغتنا ذوقًا وأسلوبًا، مسايرين، في ذلك، روح العصر بكل ما يشهده من تفجر في المعرفة والمعلومات، ومستفيدين، في الوقت نفسه، من التقدم العلمي الكبير الذي حققته الدراسات اللغوية في اللغة الإنجليزية، وغيرها من اللغات العالمية، والإفادة كذلك من الدراسات اللغوية العربية التي قامت بها مجامع اللغة العربية المنتشرة في الوطن العربي، إضافة إلى تلك الدراسات والأبحاث اللغوية الناجحة التي قام بها نفر مبدع من أبناء الضاد في عصرنا الحاضر، والتي دارت حول تشخيص واقع اللغة العربية، ومحاولة إيجاد الحلول العملية لها.
إن المشكلة لا تكمن في اللغة في ذاتها، وإنما تكمن في ذواتنا والطرائق التي تلقينا فيها اللغة، والطرائق نفسها أو المشابهة لها التي نقدِّم من خلالها للآخرين هذه اللغة. لقد كانت لغتنا مشرقة، في ماضيها، عندما اتخذها الأجداد وسيلة سهلة ومرنة لتجسيد كل ما كان يختلج في نفوسهم، وعقولهم من مشاعر وأفكار، ولكنها تعرضت، على أيدينا، إلى التراجع، عندما أردنا لها أن تكون، وهي تتقلب في أحضان الحاضر تتزيا بثوب الماضي، ما نعين أنفسنا، ومانعين عنها أيضًا، إمكانات التطور المتاحة لتمكينها من التعبير المرن عن الحياة الجديدة والمتجددة بكل ما تشتمل عليه لغتنا في أعماقها من اقتدار.