وأول هذين الأمرين هو نوعية الطالب الذي ينخرط في الميدان العلمي، بفروعه المختلفة، حيث يرشح لسلوك ذلك الدرب العلمي طلبةٌ من ذوي المواهب، والمؤهلات، والمعدلات العالية في الثانوية العامة، وينتج عن ذلك أن يلج تلك التخصصات العلمية الدقيقة طلبةٌ يتمتعون بذهن متوقد، وعقل صاف، وأفق واسع يمكَّنُهم من تجاوز أية صعوبة قد تعترض سبيلهم، وحلَّ أية عقدة قد تواجه مسيرتهم، وهذا مسلك محمود، ولكن يجب ألاّ يقتصر اعتماده واتباعه على طائفة معينة من الطلبة، في مجال معين من التخصص، دون سواه، وإنّما يجب اعتماده وتعميمه على مختلف التخصصات، ومن بينها، وربما في بدايتها، التخصص في الدرس اللغوي للعربية.
أما الأمر الآخر، فيتمثل في أن إلصاق تهمة الصعوبة والتعقيد بلغتنا العربية، على وجه خاص، كان يصدر في الأعمَّ الأغلب عن إحدى جهتين:
جهة مشبوهة تبتغي من وراء دعوتها تشويه الوجه المشرق للغة العربية، التي كانت أيام قوة أبنائها وعزتهم عبر قرون ممتدة، لغة حضارة تمكَّنت من تجسيد الفكر، والوجدان الإنساني في أسمى صورة، وأدق تعبير، وهم بدعوتهم التي يلبسونها أثوابًا براقة خادعة، يهدفون إلى دفع أبناء هذه الأمة إلى العزوف عن لغتهم الغنية، التي وسموها بالصعوبة والتعقيد، واللجوء إلى اللهجات العامية الفقيرة، التي يسمونها بالسلاسة والسهولة، والتي تؤدي- كما يخططون- إلى تفتيت الأمة عقديًا، وفكريًا، وسياسيًا. وهذه الجهة يعرفها كثيرون من أبناء هذه الأمة، ممن شرفوا بأمانة حراسة هذه اللغة، والدفاع عنها بأفكارهم، ودراساتهم، وممارساتهم.
أما الجهة الأُخرى فتحمل لواءها فئة من أبناء جلدتنا، ممن أقبلوا على دراسة اللغة العربية، دون أن تهيئهم ظروفهم العلمية والفكرية والنفسية لإتقان هذا النوع من الدرس، وما يحتاج إليه من إشراق ذهني، وقدرات علمية تمكنهم من ولوج هذا التخصص الذي يحتاج، دونما شك، إلى همةٍ، وعزيمة، وصفاء.