ويواصل المجتمع تطوره وتكتمل شبكة علاقاته الداخلية بقدر امتداد شعاع فكرته في العالم فتنشأ المشكلات المادية لهذا المجتمع الوليد نتيجة توسعه، كما تتولد ضرورات جديدة نتيجة اكتماله، فتسلك الحضارة منعطفًا جديدًا (تمثله مرحلة النهضة في أوروبا_ أو استيلاء الأمويين على الخلافة) وهو منعطف"العقل"،"غير أن هذا العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز، وحينئذ تشرع الغرائز في التحرر من قيودها بالتدريج ويكفّ المجتمع عن ممارسة ضغطه على الفرد.. وكلما واصل التاريخ سيره، واصل التطور عمله في نفسية الفرد، وفي البناء الأخلاقي للمجتمع، الذي يكفّ عن تعديل سلوك الأفراد، وبقدر ما تتحرر هذه النزعة من قيودها في المجتمع، ينكمش التحرز الأخلاقي في أفعال الفرد الخاصة شيئًا فشيئًا (وتبرز الأنا) (1) ، وبعبارة أخري:"نلاحظ نقصًا في الفاعلية الاجتماعية للفكرة الدينية، وإن هذه الفكرة تتناقص دائمًا، منذ أن دخلت الحضارة منعطف العقل"، ويرافق ازدهار الحضارة ظهور أمراض اجتماعية لا ينتبه إليها المؤرخون وعلماء الاجتماع في وقتها لعدم إحساسهم بها، وبهذا"تواصل الغريزة _ المكبوحة الجماح بيد الفكرة الدينية - سعيها إلى الانطلاق والتحرر وتستعيد الطبيعة سيطرتها على الفرد، وعلى المجتمع شيئًا فشيئًا، فإذا ما بلغ هذا التحرر تمامه، عادت الغرائز إلى سيطرتها على مصير الإنسان، وبدأ الطور الثالث من أطوار الحضارة بظهور الغرائز التي تسفر عن وجهها تمامًا. وهنا تنتهي الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية" (2) ."
(1) المصدر نفسه، ص 103
(2) المصدر نفسه، ص 103 - 104؛ انظر للاستزادة:شروط النهضة، ص 57-59