الصفحة 44 من 49

لقد وضع مالك بن نبي معادلته الشهيرة التي بيَّن فيها رأسمال الحضارة_ أيّ حضارة_ فمعادلته هي: (حضارة = إنسان +تراب +وقت) وأنه لا يتم التفاعل بين العناصر الثلاثة إلا بتدخل مركِّب معيَّن هو (الفكرة الدينية) وهي التي رافقت تركيب الحضارة عبر التاريخ (1) ، ويؤكد على أهمية الدين في مبعث الحضارات فيقول:"الحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية... فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء يكون للناس شرعةً ومنهاجًا، أو هي _على الأقل_ تقوم أُسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي وكأنما قدر الإنسان ألا تشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية أو بعيدًا عن حقبته" (2) .

ولكن كيف يتم تكييف (ضبط وتوجيه وتفعيل) الفكرة الدينية للطاقات الحيوية (الفطرية) وإخضاعها لنظامها؟ للإجابة على هذا السؤال الذي يبين أهمية الدين في نشوء وارتقاء الحضارات، نلخص ما أورده مالك بن نبي:

إنسان الفطرة (أو إنسان ما قبل الحضارة) هو إنسان طبيعي، تتولى الفكرة الدينية إخضاع غرائزه لعملية تكييف تتمثل بـ (الكبت) بمفهومه في علم النفس، فهي لا تقضي على الغرائز ولكن تكبتها"وفي هذه الحالة يتحرر الفرد جزئيًا من قانون الطبيعة المفطور في ذاته، ويخضع وجوده كله للمقتضيات الروحية التي أوجدتها الفكرة الدينية في نفسه بحيث يمارس حياته في هذه الحالة الجديدة طبقًا لقانون الروح، ومن أمثلة ذلك: تحمُّل بلال بن رباح، واعتراف الغامدية على نفسها بالزنا (3) ."

(1) شروط النهضة ص 50

(2) المصدر نفسه ص 56

(3) ميلاد مجتمع ص 102

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت