إن الازدواجية في سلوك المسلم ما بين المسجد وخارج المسجد، مردها إلى الأفكار المطبوعة الميتة والأفكار الموضوعة المميتة، ذلك أن الأفكار المطبوعة هي التي نهضت بها الحضارة في أول أمرها من نقطة البدء"فعندما تبدأ الأولى في الزوال والاختفاء من سطح اسطوانة (1) إحدى الحضارات تخرج عنها في البداية ترددات تشبه النشاز والصفير والحشرجة ثم يليها الصمت التام" (2) . وهو يرى أن التفلت عن الأفكار الأصلية يؤدي إلى تآكل تلك الأفكار وحلول الأفكار النشاز مكانها، فتستمر حالة الهبوط حتى يحل الصمت التام حين لا نرى أي رد فعل يتمثل في الطرب (3) عند سماع الألحان الجميلة أو النفور من الألحان الشاذة". (4) "
إنها حالة الانفصام والجمود التي يعيشها مسلم اليوم الذي استورد أفكارًا ليست أفضل من أفكاره الميتة بل كانت الأفكار المستوردة (الموضوعة) أشد بأسًا وأشد تنكيلًا، فهي قاتلة مميتة وبخاصة لأنها مقطوعة عن أصولها في بلادها فيقول"وبعد أن تصبح الأفكار الموضوعة مبتورة الجذور عن الثقافة الأصلية يغلبها الصمت هي الأخرى إذ ليس لديها ما تعبر عنه ولا تستطيع أن تعبِّر عن شيء، وعندما يصل المجتمع إلى هذه النقطة يفنى ويتحول إلى ذرات لعدم وجود دوافع جماعية... وبعد أن عاش المجتمع الإسلامي اللحظات المجيدة لميلاد الحضارة الإسلامية حيث ظهرت الأفكار المطبوعة في عصر النبوّة والخلافة الوضّاء... عاد في الوقت الحاضر يعيش في عصر صمت الأفكار الميتة... والألم أشد والحسرة أكبر عندما نحاول إحياء العالم الثقافي المشحون بالأفكار الميتة بالاستعانة بأفكار قاتلة مقتَبسة من حضارة أخرى". (5)
(1) استعارة تصريحية، حيث شبه فترة الحضارة باسطوانة تسجيلية.
(2) مشكلة الأفكار، ص84.
(3) **) استعارة مكنية، حيث شبه التأثر بالأفكار الموروثة أنه طرب بألحان جميلة، وعدم التأثر أنه نفور من الألحان الشاذة.
(4) المصدر نفسه، ص89.
(5) المصدر نفسه، ص90-91.