الصفحة 17 من 49

ولتعويض النقص الذي شعرنا به إثر اصطدامنا بالثقافة الأوروبية انحاز المسلمون إلى أحد معسكرين: أحدهما يدعو لتمثيل وتقليد الفنون والعلوم والأشياء الغربية حتى اللباس، والآخر يحاول التغلُّب على مركب النقص بتناول حقنة اعتزاز يعلل بها النفس. (1) ولقد حثنا الاستعمار على التقليد لنبلغ ما بلغ، لكننا كما نتطور فإنه مستمر في تطوره ولا يُنْظرنا حتى نبلغه، وهكذا فلن نصل وسنظل نقلده إلى ما لانهاية، (2) وسنفشل في تحقيق أي إنجاز حقيقي فضلًا عن بناء حضارة تبزُّه،"إن أي مشروع نفكر فيه بأفكار البعض ونحاول انجازه بوسائل البعض الآخر معرّض للفشل لا محالة". (3)

فإن دعت الضرورة فإننا قد نقتبس الحاجات ولكن لا يجوز أن نقتبس وسائلها، فعندما بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجده في المدينة، اقتبس المسلمون الحاجة إلى وسيلة للنداء إلى الصلاة، اقتبسوها عن النصارى واليهود، لكنهم لم يقلدوا النصارى أو اليهود في تنفيذ هذا النداء وإنما جاؤوا بوسيلة جديدة هي الآذان. (4)

وإن مشكلة التقليد والاقتباس تتخذ بعدًا آخر عندما لا يعمل المجتمع الناهض على تمحيص هذا الاقتباس وتصفية الضار منه فمالك بن نبي يقول:"يخيّل إلينا أن أحدًا لم يفكر حتى الآن في نقد ما قَبِسَه مجتمعنا في نصف قرن، ومع ذلك فإن تصفية الأفكار المَيّتة (الموروثة) ، وتنقية الأفكار المُمِيتة (المستوردة) يعتبران الأساس الأول لأية نهضة حقه". (5)

المطلب السادس: الأفكار المَيّتة والأفكار المُمِيتة:

(1) إنتاج المستشرقين، ص14.

(2) أنظر تأملات، ص211، حديث في البناء الجديد، ص148.

(3) مالك بن بني، بين الرشاد والتيه، (دمشق: دار الفكر، بإشراف ندوة مالك بن بني، 1978) ، ص152.

(4) أنظر وجهة العالم الإسلامي، ص71.

(5) المصدر نفسه، ص74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت