الصفحة 15 من 49

لقد غزانا الغرب بكمية متكدسة من مدنيته الجديدة والتي لم تلبث أن أصبحت مصدر فكرنا وتصوراتنا وآمالنا، (1) أصبحنا نقيِّم الأشياء أيضًا بكمياتها بل تعدى الأمر ذلك ليصبح تقييم مجتمع، بعدد أفراده، دون النظر إلى طبيعة العلاقات التي تجمعهم داخل مجتمعهم، فلا يكون المجتمع بتكديس الأفراد الذين يعيشون كما يشاءون مهما كانت الصلات بينهم، ولكن المجتمع هو الذي يحفظ كيان الفرد ويحقق أهداف الجماعة متمثلة في تطور النوع ورقيه. (2)

إن مشكلتنا هي في التكديس (في الأشياء والأفراد والدراسات والحلول...إلخ) والانصراف عن البناء وعن الحضارة، (3) والفرق بين نهضتنا سنة 1858 ونهضة اليابان (1868-1905م) أن اليابان وقفت من الحضارة الغربية موقف التلميذ بينما وقفنا منها موقف الزبون، فهم كانوا ينشئون حضارة وكنا نشتري بضاعتها. (4)

المطلب الخامس: التقليد والاقتباس:

ترتكز أفكار مالك بن نبي على قاعدة رئيسة، وهي محور أفكاره وتصوراته ألا وهي أهمية الأفكار في بناء الحضارة فهو يقول:"مشكلتنا هي مشكلة أفكار: فبعض الأفكار المميتة أسلمت العالم الإسلامي إلى مرضه وتخلفه، ولقد كان فشل الوسائل التي استخدمت في الوصول إلى النهضة أنها: لم تتخذ الفكرة هادية فقد تخبطت في فوضى من التقليد، وحيث يكون التقليد تنسحب الفكرة". (5) والأفكار المُمِيتة جاءتنا بالتقليد الأعمى، فهي مستوردة، بينما الأفكار المَيِّتة جاءتنا من تركة ثقافية لم تصفَّ. (6)

(1) عمر كامل مسقاوي، حول فكر مالك بن بني، دمشق، دار الفكر، 1985، 23.

(2) حديث في البناء الجديد، ص82-84.

(3) تأملات، ص166.

(4) المصدر نفسه، ص184-185.

(5) حديث في البناء الجديد، ص10-11.

(6) مشكلة الأفكار، ص197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت