الصفحة 14 من 49

وكما لا يمكننا وضع ستار حديدي بين الحضارة المنشودة والحضارة الحديثة للعالم الغربي، فإنه أيضًا يستحيل إنشاء حضارة بشرائنا كل منتجات الأخرى، يستحيل كيفًا: لأن لتلك الحضارة الغربية روحها وفكرها وروقيها الذي لن تبيعنا إياه، فتصبح منتجاتها عندنا بلا روح وبلا هدف، ويستحيل كمًا: لأن تكدس الأشياء لربما يصنع- مصادفةً وبالزمن الطويل- (حالة حضارية) هي ليست حضارة بل مسخٌ عنها. (1)

إن الطفل بعد ولادته لا يعرف من الدنيا إلا الأشياء التي تهمه كثدي أمه وبعض ألعابه وهو لا يميز بين الأشخاص ولا الأفكار، وعندما يكبر قليلًا يميل إلى حيازة الألعاب وتكديسها لديه، ومنعها عن أقرانه ظنًا منه أنه حاز كل شيء. وإن مشكلة العالم الإسلامي اليوم أنه يعيش في فترة ما قبل الحضارة ويرتبط بمنطق الأشياء (كالطفل) ، فلن تجديه الأشياء (المستوردة) في تشكيل حضارته. (2)

إن مشكلتنا أننا نكدس الأشياء، ونكدس الدراسات ولكننا لا نبني، فدراسات معالجة الفقر أو الجهل، مثلًا، ما هي إلا دراسات تكديسية تسعى إلى بيان إحصائيات ثم تطرح العلاج على شكل النقيض، فليست مشكلتنا مثلًا في الفقر ولكن في عدم الشعور بالمسؤولية"فعلينا أن نفكر في جذور المشكلات وندرك أن القضية قضية حضارة، وما الفقر والغنى ولا الجهل والمرض إلا أعراض لتلك المشكلة الأساسية، إن علينا أن نكِّون حضارة، أي أن نبني لا أن نكدس، فالبناء وحده هو الذي يأتي بالحضارة لا التكديس، ولنا في أمم معاصرة أسوة حسنة". (3)

(1) شروط النهضة، ص48-49.

(2) تأملات، ص47-58.

(3) حديث في البناء الجديد، ص98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت