رغم ندرة الأحاديث التي وصلت إلينا عن فترة الحصار في شِعب أبي طالب، وقلة المادة العلمية التي دونتها كتب السيرة النبوية إلا أنه يمكن من خلال الاستقراء الدقيق يمكن أن نعرض الأساليب التي استخدمها المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لمواجهة الحصار سعيًا في فكه عن المسلمين وأقربائه من بني هاشم وعبدالمطلب في تسع نقاط هي: الثبات على الحق، والاتحاد في مواجهة قريش، واستثمار قوانين الكفر دون التنازل عن العقيدة، والاعتماد على المال الذاتي للمسلمين، والإعلان عن الظلم في حصارهم، والسعي في تأمين الحد الأدنى من الطعام، وإبقاء جزء من المسلمين خارج الحصار، واستخدام المعجزة الربانية في إثبات صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - وفك الحصار، وختامها في بيان كسر الحصار على يد الكارهين له من كفار قريش. وسنستعرض الآن هذه الوسائل.
أولًا: الثبات على الحق:
من المبادئ الأساسية للدعوة الإسلامية الثبات على الحق في كل الأحوال، فيقول الحق سبحاه وتعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي... } (1) ، ويرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - صحابته الكرام ومن بعدهم الأمة الإسلامية كلها إلى هدي الأمم السابقة في الثبات على دعوة الحق أمام صلف الباطل فيقول:"... لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ..." (2) .
(1) إبراهيم: 27.
(2) صحيح البخاري، ح 3563 ، ترقيم د. مصطفى ديب البغا.