لم يقتصر على الجانب الاقتصادي وإن كان في مقدمتها لأنه يعتبر من أهم أشكال الحصار لما له من تأثير بالغ الخطورة على الحياة بجميع مناحيها المختلفة، بل تعداها إلى أشكالٍ أخرى كالحصار الاجتماعي حيث نلمس ذلك من رواية الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ بِمِنًى:"نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ،... وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِالْمُطَّلِبِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ، أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -" (1) . ومعنى قوله:"أن لا يناكحوهم"، يعني: لا يقع بينهم عقد نكاح، بأن لا يتزوج قريش وكنانة امرأة من بني هاشم وبني عبدالمطلب، ولا يزوجوا امرأة منهم إياهم، وكذلك المعنى في قوله:"ولا يبايعوهم"بأن لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم (2) . وفي روايات أخرى:"... ولا يكلموهم ولا يجلسوا إليهم..." (3) ،"... ولا يؤوهم..." (4) ،"... ولا يخالطوهم ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا ولا تأخذهم بهم رأفة..." (5) ،"... ان لا يعاملوهم..." (6) .
وفي مجموع هذه الروايات نجد أنهم اتفقوا وتعهدوا على مقاطعتهم مقاطعة تامة انتقاما منهم لإسلامهم ودفاعهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
خامسًا: آثار الحصار في الثلاث سنوات:
(1) صحيح البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، ت 256هـ، تحقيق/ د. مصطفى ديب البغا، ح1513، دار ابن كثير، بيروت، 1407هـ - 1987م.
(2) عمدة القارئ، 9/229.
(3) أسد الغابة، 1/111.
(4) فتح الباري، 8/15.
(5) البداية والنهاية ، 3/84.
(6) فتح الباري، 7/192.