الصفحة 16 من 42

والذي يظهر أن الروايتين يمكن الجمع بينهما بأن قريش أرادت إخراجهم خارج مكة مبالغة في مقاطعتهم، وأن أبا طالب رأى في هذا الأمر إمكانية الحماية للنبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر وهم في الشِعب خارج بيوت مكة المكرمة منه في داخلها، بل وهم في الشِعب كان يحرص على تغيير مكان نومه خوفًا من غدر قريش، وهذه رواية ابن الأثير في البداية والنهاية تشير إلى هذا المعنى:"... فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد به مكرًا واغتيالًا له، فإذا نام الناس أمرا أحد بنيه أو أخوته أو بني عمه فاضطجعوا على فراش رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه..." (1) .

ومن الملاحظ أن جميع بني هاشم وبني عبدالمطلب - إلا أبا لهب وبنيه - قد استجابوا لطلب زعيمهم أبو طالب، وفي هذا المقام يقول الإمام ابن حجر العسقلاني:"... فبلغ ذلك أبا طالب فجمع بني هاشم وبني المطلب فادخلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله فأجابوه إلى ذلك حتى كفارهم فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية..." (2) .

رابعًا: أشكال الحصار على الدعوة الإسلامية في شِعب أبي طالب:

إن المتأمل لحال المسلمين الأوائل في محنتهم التي واجهوها من خلال التصدي لقوى الكفر العاتية ليجد أن مما عاناه هؤلاء الصامدون ما يتضمن أشكالًا عدة من الحصار (3)

(1) البداية والنهاية ، للحافظ ابن كثير الدمشقي، اعتنى به/ د. عبد الحميد الهنداوي، 3/84 ، المكتبة المصرية، بيروت، 1422هـ - 2002م.

(2) فتح الباري، 7/192.

(3) سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ضوء الكتاب والسنة والدراسات المعاصرة، د. محمد الطيب النجار، ص117، مكتبة الجامعة الأزهرية، الأزهر الشريف، القاهرة، 1391هـ - 1971م.

وفقه السيرة، د. محمد عبد القادر أبو فارس، منشورات جامعة القدس المفتوحة ، ص75، ط1، عمان، الأردن، 1995م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت