ومن أخطر أسباب الانحراف والضلالة: تقديس العقل البشري، واعتباره الدليل الذي، لا يُخطئ، والهادي الذي لا، يضل، وإعطاؤه حق الحكم في كل قضية، وفي كل مجال، وإن لم يكن من اختصاصه، ولا في حدود سلطانه. إن العقل نعمة عظيمة، ولا ريب، ولكن الوحي أعظم منه، وإن هداية العقل أعلى وأرسخ من هداية الحواس، ولكن هداية الوحي أعلى وأرسخ من هداية العقل. وفرق ما بين العقل والوحي هو فرق ما بين البشرية والألوهية، فرق ما بين الخالق والمخلوق، فرق ما بين العجز الذاتي والقدرة المطلقة، فرق ما بين العلم المُحدث النسبي المحدود، والعلم اليقيني المحيط بكل شئ (1) . قال الشاطبي:"وقد علمت أيها الناظر أنه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقًا، ولذلك تراهم يرتضون اليوم مذهبًا، ويرجعون عنه غدًا، ثم يصيرون بعد غدٍ إلى رأي ثالث، لو كان كل ما يقضي به حقًا لكفى في معاش الخلق ومعادهم، ولم يكن لبعثة الرسل - عليهم السلام - فائدة، ولكان - على هذا الأصل - تُعد الرسالة عبثًا لا معنى له، وهو كله باطل، فما أدى إليه مثله" (2) .
سادسًا: التوسع في المحرمات:
(1) انظر: القرضاوي، المرجعية العليا ص 331-332.
(2) الشاطبي، الإعتصام 1/144.