الصفحة 23 من 44

إذا كانت أسباب نزول القرآن لابد منها لمن يريد فهمه، فإن أسباب ورود الحديث، أشد طلبًا، وذلك أن القرآن بطبيعته عام وخالد وليس من شأنه أن يعرض للجزئيات والتفصيلات بخلاف الحديث الشريف، لذا كان لابد لفهمه فهمًا سليمًا دقيقًا من معرفة الملابسات التي سيق فيها النص، وجاء بيانًا لها وعلاجًا لظروفها، حتى يَتحدّد المراد من الحديث بدقة، فهناك بعض الأحاديث بُنَى على أسباب خاصة أو ارتبط بعلة معينة، منصوص عليها في الحديث أو مستنبطة منه أو مفهومه من الواقع الذي سبق فيه الحديث، وهذا يحتاج إلى فقه عميق ونظر دقيق ودراسة مستوعبة للنصوص وإدراك بصير لمقاصد الشريعة.

ومن ذلك حديث"الأئمة من قريش" (1) . فقد فسره ابن خلدون بأنه - صلى الله عليه وسلم - راعى ما كان لقريش في عصره من القوة العصبية التي يرى ابن خلدون أن عليها تقوم الخلافة أو الملك، قال:"فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلبة علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية، فرددناه إليها، وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية ،وهي وجود العصبية، فاشتراطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولى عصبية قوية على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية...." (2) .

5-التمييز بين الوسيلة المتغيرة والهدف الثابت للحديث:

(1) رواه أحمد عن أنس ورجاله ثقات كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/192) قال المنذري في"الترغيب والترهيب": إسناده جيد، انظر: المنتقى من كتاب الترغيب والترهيب، للقرضاوي 2/131رقم1281.

(2) انظر: مقدمة ابن خلدون (2/695-696) ط. لجنة البيان العربي الثانية بتحقيق، د. علي عبدالواحد وافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت