والعقل المكتسب عن طريق التَجارب، أو القراءة والحفظ لا ينفع صاحبه ولا يأخذ بيده إلى مقاطع الحق، إذا لم يكن له ذلك العقل الموهوب وغير مُجدٍ معرفة النصوص، وحفظها وتحديدها بالصفحات والأرقام من غير تلك (البصيرة) ولو حَملت تلك (الذاكرة) خزائن كتب أهل الأرض، إن البصيرة هبة لَدُنيه من صفات العقل المطبوع، ولا بد منها لصحة النظر وسلامة الفهم وهي (المميز) الذي يُرجِّح إنسانًا على آخر، بما تحقق من أصالة الرأي وسلامة الحكم. وقد جعل الإمام الغزالي هذه (البصيرة) من سمات علماء الآخرة الذين اعتمادهم في علومهم على بصيرتهم، وإدراكها بصفاء قلوبهم لا على الصحف والكتب.
والقراءة والحفظ من غير بصيرة فقه لا يسمى صاحبها عالمًا، إنما هو وعاء، لا يسمى (عالمًا) إذا لم يَطّلع ببصيرة فقهية على الحِكَم والأسرار والمقاصد.
والناس كذلك تختلف مداركهم للشريعة، فمنهم من منهجه البحث عن (النص) ومنهم من منهجه البحث عن (مقصد النص) . وأصحاب المنهج النصي أقرب إلى أصحاب العقل المكتسب وأصحاب منهج القصد أقرب إلى أصحاب العقل الموهوب، لذلك كان تفاوت المنزلة بين أصحاب التحصيل وأصحاب البصيرة.
إن صاحب (النص) يقف عند اللفظ ومدلوله اللُغوي والثاني يتخطى (ظاهر اللفظ) إلى (مقصوده) من غير عدوان على اللغة، الأول كثيراُ ما يَجْبَهُكَ - في تحدٍ- ما دليلك ؟ ولا يعني (الدليل) عنده إلا (النص) ، أما الثاني، صاحب المقاصد فمفهوم (الدليل) عنده أوسع مدى: إنه يجمع النص إلى النص ويبحث عن اللازم، وعن المضمون وعن المناسبات وعن العلل، عن الكلي الذي يندرج تحته كثير من الجزئيات، ويبحث عن (روح الشريعة) ، وروح الشريعة هو المعني الكلي المُتولد في نفس الجامع للنصوص، الفاهم للمقاصد. وصاحب هذا المنهج هو القادر على الاجتهاد في وقائع الدهور المتجدد، إذ لا قول لصاحب النص إلا أن يقول: لم يَرد !