ليس بك حاجة إلى هذا. فقال لى: سألتك بالله ألا أخبرتنى. فقلت: بإجابة دعوتك. فقال لى لما ذكرت له ذلك: إنى أحسبك إن شاء الله رجلًا صالحًا , إن لله عز وجل خيرة من خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده , ولا يظهر عليهم إلا من ارتضى. ثم قال لى: ترى أن تقف على قليلًا , فإنه قد بقيت على ركعات من البارحة. قلت: هذا منزل فضيل قريبًا.
قال: لا , ها هنا أحب إلى , أمر الله عز وجل لا يؤخر. فدخل من باب الباعة إلى المسجد , فما زال يصلى حتى إذا أتى على ما أراد التفت إلى , فقال: يا أبا عبد الرحمن! هل من حاجة؟ قلت: ولم؟ قال: لأنى أريد الانصراف. قلت: إلى أين؟ قال: إلى الآخرة. قلت: لا تفعل دعنى أسر بك. فقال لى: إنما كانت تطيب لى الحياة حيث كانت المعاملة بينى وبينه - يعنى ربه تعالى - , فأما إذا أطلعت عليها أنت فسيطلع عليها غيرك وغيرك, فلا حاجة لى في ذلك.
ثم خرَّ لوجهه فجعل يقول: إلهى! اقبضنى الساعة الساعة. فدنوت منه, فإذا هو قد مات , فوالله , ما ذكرته قط إلا طال حزنى عليه وصغرت الدنيا في عينى". [صفة الصفوة 2/ 270] ."
حدَّث أبو بردة عن أبيه أبى موسى الأشعرى , أنه قال حين حضره الموت لبنيه:"أى بنى! اذكروا صاحب الرغيف. ثم قال: كان رجل في صومعة له يتعبد - أراه ذكر سبعين سنة - لا ينزل إلا يومًا واحدًا , فإنه نزل يومًا واحدًا."