سحر العرب بجمال القرآن وجلالته ، وبهروا بروعته وحسن بيانه ، ووقفوا عند جزئياته البلاغية ، واستعذبوا نوادر استعمالاته في فن القول ، ذلك ما شكل عندهم ذائقة لغوية متأصلة ، وأمدّهم بحاسة نقدية متمكنة تتجه بالبيان العربي الى موكب الزحف الدلالي المتطور ، وتدفع بالمنهج البلاغي الى المناخ الموضوعي المطمئن ، فحدب علماؤهم على هذا العطاء ، الجديد يقتطفون ثماره ، وعمدوا الى هذا السبيل يجددون آثاره ، فكان نتيجة لهذا الجهد المتواصل البنّاء.. رصد المخزون الحضاري في تراث القرآن البلاغي واللغوي ، وبدأ التصنيف في هذا المخزون يتجدد ، والتأليف بين متفرقاته يأخذ صيغة الموضوعية ، فنشأ عن هذا وذاك حشد بياني من المصطلحات ، وتبلور فضل تدقيق في شتى المعارف الإنسانية ، وتوارث الخلف عن السلف محور الأصالة في التحقيق ، كانت عائديته الأبتعاد بالتراث اللغوي عن التعقيد والغرابة والأسفاف ، والصيانة له عن الانحطاط والتدهور والضياع ، والأزدلاف به عن الوحشي والتنافر والدخيل.
وكان القرآن الحكيم أساس هذا الإصلاح ، ومادة هذا التطور في مثله اللغوية وأسراره العربية؛ وما دام الأمر هكذا فالعرب والمسلمون بإزاء الكشف عن خبايا هذا الكتاب وكنوزه ، ودراسة مختلف قضاياه الفنية.
وقد كان الأمر كذلك ، وكان التوجه للقرآن الكريم بهذه النظرة الفاحصة منذ عهد مبكر ، فعكف المسلمون على جمعه وتدوينه وتوحيد قراءاته ، وكان أن ضمّت جميع آياته الى سوره ، وجمعت كل سوره في المصحف وبدأ تدارسه في نزوله وأسبابه وتشكيله ، وحفظه في الصدور وعلى السطور ، فكان ما فيه متواترا دون ريب ، وسليما دون منازع ، تحقيقا لقوله تعالى ?إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ? (الحجر/9) ، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا.
كان هذا الجهد المتميز قد بدأه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذات ، فكان الأثر مصانا ، والتنزيل ، كما هو لا زيادة فيه ولا نقصان , والكتاب في سلامة بكل تفصيلاته التدوينية والجمعية والشكلية. وبدأت مدارس التفسير الأولى في كل من مكة والمدينة والكوفة والبصرة ، ترفد العالم الإسلامي بسيل من المعارف لا ينضب ، وتنير أمام الدارسين الدرب بمصابيح من الهداية لا تخبو.
وكان الأئمة والصحابة والتابعون ومن اتبعهم بإحسان ، يعبّدون الطريق بين يدي المتعلمين والباحثين والمصنفين ، حتى اتسع مجال التفسير ، وتعدد منهج التأويل ، وكثر طلاب العلم ، وأخذ كل بمبادرة التّحصيل ، فوضح السبيل ، وانتشرت الثقافات.
وكان وراء هؤلاء جهابذة اللغة ، وفحول العربية يحققون ويتتبّعون ، غير عابئين بثقل الأمانة وفداحة الأمر ، مشمرين السواعد لا يعرفون لينا ولا هوادة ، متناثرين حلقات وجماعات وأفرادا ، يسددون الخطى ، ويباركون السعي ، فبين مستشهد بالموروث المثلي عند العرب ، وبين منظّر بالشعر الجاهلي ، وبين مقتنص للشوارد والأوابد من كلمات القوم وحكمهم ، وبين متنقل في الحواضر والبوادي والقصبات ومساقط المياه ، يسأل ويدون ، ويصنف ويستجمع ، ويقارن ويقعّد ، كل ذلك بهدف واحد هو الاعتداد بالقرآن وتراثيته ، فضلا عن قدسيته وعظمته: كونه كتاب هداية وتشريع ، ودستور السماء في الأرض الى يوم يبعثون.
كان ما أسلفنا موروثا حضاريا في القرنين الأول والثاني من الهجرة النبوية المباركة ، حتى إذا أطل القرن الثالث وجدنا التوجه منصبا حول لغة القرآن ، ومعاني مفرداته ، وسيرورة ألفاظه ، وكانت دائرة هذا الجهد اللغوي ، متشعبة في بدايات مسيرتها التصنيفية ، وإن كانت متحدة في مظاهرها الدلالية ، فالأسماء مختلفة والإنجازات متقاربة ، حتى كأن العطاء واحد في جوهره ، وإن تعددت عناوينه التي استقطبت الصيغ الآتية:"معاني القرآن"و"ومجاز القرآن"و"غريب القرآن".
وهذه الكتب على وفرتها تتحدث عن مسار اللفظ القرآني ، ودلالته لغة ، وتبادره مفهوما عربيا خالصا ، فكان ذلك معنى: مجاز القرآن وغريبه ومعانيه في سيرورة مؤدي الألفاظ في حنايا الذهن العربي ، دون إرادة الاستعمال البلاغي ، ودون التأكيد على"المجاز"أو"المعاني"في الصيغة الاصطلاحية ، أو الحدود المرسومة لدى علماء المعاني والبيان. لقد امتازت هذه الحقبة بالتدوين المنظّم لغريب القرآن وشوارده ، وأثرت فيما بعد بالحركة التأليفية المتفتحة في اللغة والمجاز القرآني بمئات المصنفات القيمة ، ولكن بالمعنى المشار اليه آنفا ، دون المعنى البياني.
هناك جمهرة لامعة من كتب المعاني لأعلام العرب ، وأئمة اللغة ، وفطاحل النحو ، تتوجه تلك الحقبة الذهبية ، ويمكن ترتيبها على النحو الآتي:
1 -معاني القرآن... لأبي جعفر الرؤاسي
2 -معاني القرآن... لعلي بن حمزة الكسائي
3 -معاني القرآن... ليونس بن حبيب النحوي
4 -معاني القرآن... ليحيى بن زياد الفراء
5 -معاني القرآن... لمحمد بن يزيد المبرد
6 -معاني القرآن... لأبي فيد مؤرج السدوسي
7 -معاني القرآن... لثعلب ، أحمد بن يحيى
8 -معاني القرآن... للأخفش ، سعيد بن مسعدة
9 -معاني القرآن... للمفضل بن سلمة الكوفي
10 -معاني القرآن... لأبن كيسان
11 -معاني القرآن... لابن الأنباري
12 -معاني القرآن... لأبي إسحاق الزجاج
13 -معاني القرآن... لخلف النحوي
14 -معاني القرآن... لأبي معاذ بن خلف النحوي
15 -معاني القرآن... لعلي بن عيسى الجراح
16 -معاني القرآن... لأبي عيينة بن المنهال (1) .
وكل هذه الكتب لا علاقة لها بعلم المعاني ، وإنما تبحث عن المعنى اللغوي. وقد احتفظ لنا ابن النديم بطائفة من أسماء من ألفوا بغريب القرآن ، وعلى نهج معاني القرآن بالضبط ، وقد نجد من بين هذه المصنّفات من يسمي كتابه معاني القرآن ويسمى غريب القرآن أيضا ، وذلك لعدم الفرق بين الإسمين عندهم:
1 -غريب القرآن... لابن قتيبة ، عبد الله بن مسلم
2 -غريب القرآن... لأبي فيد مؤرج السدوسي
3 -غريب القرآن... لمحمد بن سلام الجمحي
4 -غريب القرآن... لأبي عبد الرحمن اليزيدي
5 -غريب القرآن... لأبي زيد البلخي
6 -غريب القرآن... لأبي جعفر بن رستم الطبري
7 -غريب القرآن... لأبي عبيد ، القاسم بن سلام
8 -غريب القرآن... لمحمد بن عزيز السجستاني
9 -غريب القرآن... لأبي الحسن العروضي
10 -غريب القرآن... لمحمد بن دينار الأحول (2) .
وقبل هؤلاء كان أبان بن تغلب الكوفي (ت: 141 هـ) قد ألف كتاب"الغريب في القرآن"وذكر شواهده من الشعر (3) .
وبعد هذه الجريدة في معاني القرآن وغريب القرآن ، يبقى"مجاز القرآن"، ويبدو أن التسمية بهذا العنوان كانت من سبق أبي عبيدة ، معمّر بن المثنى الليثي (ت: 210 هـ) فكان من أوائل من كتبوا في هذا الأسم بالذات بالمؤشر الذي أوضحناه ، فوضع كتابه"مجاز القرآن"على هذا النحو ، وهو كتاب لغة وتفسير مفردات ، لا كتاب بلاغة وبيان ، والدليل على ذلك أنه قد يسمى"غريب القرآن"باعتباره ترادف الغريب والمجاز عندهم ، كترادف الغريب والمعاني ، وقد نص على تسميته بهذا الإسم"غريب القرآن"ابن النديم (4) .
وقال إبن خير الأشبيلي:"وأول كتاب جمع في غريب القرآن ومعانيه: كتاب أبي عبيدة: معمر بن المثنى ، وهو كتاب المجاز" (5) .
وقد أيّد الزبيدي هذا الاتجاه فقال:"سألت أبا حاتم عن غريب القرآن لأبي عبيدة الذي يقال له المجاز" (6) . هذان النصان يؤيدان ما نذهب اليه أن لا علاقة لمجاز أبي عبيدة بالمجاز الصطلاحي ، حتى قال محققه الدكتور سزكين:"ومهما كان من أمر فإن ابا عبيدة يستعمل في تفسيره للآيات هذه الكلمات:"مجاز"كذا"و"تفسير كذا"و"معناه كذا"و"وغريبه"و"تقديره"و"تأوليه"على أن معانيها واحدة أو تكاد.
ومعنى هذا أن كلمة"المجاز عنده عبارة عن الطريق التي يسلكها القرآن في تعبيراته ، وهذا المعنى أعم بطبيعة الحال من المعنى الذي حدده علماء البلاغة لكلمة المجاز" (7) . ولا أدلّ على هذا المذهب من قول أبي عبيدة نفسه وهو بإزاء تحرير مجاز القرأن"وفي القرآن ما في الكلام العربي من وجوه الأعراب ، ومن الغريب والمعاني" (8) .
فهو بصدد هذا الملحظ الذي ذكره ، وإن اشتمل مجموع ما أفاضه"مجاز القرآن"على جملة من أنواع المجاز الاصطلاحي ، ولكنه إنما يقصد بالمجاز معناه اللغوي ، وقد يقصد به أحيانا: الميزان الصرفي ، وقد يعني به نحو العرب وطريقتهم في التفسير والتعبير ، وهو الأعم الأغلب في مراده.
وبعد هذا"نستطيع - مطمئنين - ان نقرر أن كلمة"مجاز"إنما هي تسمية لغوية تعني التفسير ، فالمعرفة بأساليب العرب ، ودلالات ألفاظها ، ومعاني أشعارها ، وأوزان ألفاظها ، ووجوه إعرابها ، وطريق قراءاتها ، كل ذلك سبيل موصلة الى المعنى ، فمجاز القرآن يقصد أبو عبيدة به"المعبر"الى فهمه ، فالتسمية لغوية وليست إصطلاحية" (9) .
ومهما يكن من أمر فقد عالج ابو عبيدة في"مجاز القرآن"كيفية التوصل الى فهم المعاني القرآنية باحتذاء أساليب العرب في كلامهم وسننهم في وسائل الإبانة عن المعاني ، ولم يعن بالمجاز ما هو قسيم للحقيقة ، وإنما عني بمجاز الآية: ما يعبر به عن الآية (10) .
وكان سبيل أبي عبيدة في مجاز القرآن نفسه سبيل معاصره أبي زكريا الفرّاء (ت: 207 هـ) في"معاني القرآن"وجزءا من سبيل إبن قتيبة في"تأويل مشكل القرآن"في حدود معينة ، لأن كتاب ابن قتيبة (ت: 276 هـ) قد اشتمل على مباحث مجازية مهمة ، كما سنشاهد هذا في مرحلة التأصيل ، اذ عقد للمجاز - بمعناه العام حينا وبمعناه الاصطلاحي الدقيق حينا آخر - بابا خاصا تناول فيه فصولا من المأهول المجازي في الاستعارة والمجاز والتمثيل (11) .
والذي يبدو لي من تعقب هذه الحقبة أن الاتجاه المنظور اليه لدى العلماء في مصنفاتهم التي أوردناها كان البحث المنظّم والمفهرس في غريب القرآن ، ومعانيه اللغوية ، وشوارده العربية ، ولم يكن لمجاز القرآن ولا لمعاينه بالاصطلاح البلاغي فيها أي إرادة مسبقة ، وإن وردت بعض الإشارات البلاغية بإطارها العام مما لا بد منه في إيضاح المعنى اللغوي فالبلاغة جزء من علم اللغة.
1 ظ: الخوئي ، معجم رجال الحديث: 1/ 32.
2 ظ: ابن النديم ، الفهرست: 52.
3 ابن خير ، الفهرست: 134.
4 الزبيدي ، طبقات النحويين: 125.
5 فؤاد سزكين ، مجاز القرآن ، المقدمة: 1 / 18.
6 أبو عبيدة ، مجاز القرآن: 1 / 8.
7 مصطفى الصاوي الجويني ، مناهج في التفسير: 77.
8ظ: أحمد مطلوب ، فنون بلاغية: 92.
9 ظ: ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن: 76 وما بعدها.
10 ظ: استعمالات الجاحظ لاطلاقات المجاز ، الحيوان: 5 / 23 - 34.
11 ظ: الجاحظ ، الحيوان: 5 / 25 وما بعدها.