فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 22

أولًا : المجاز اللغوي بين الاستعارة والمجاز المرسل

ليس جديدا أن يكون عبد القاهر (ت: 471 هـ) هو أول من تنبه شخصيا ، ونبه الآخرين الى الفروق المميزة بين الاستعارة والمجاز المرسل في حديثه عن المجاز اللغوي ، حينما قرن المجاز بالاستعارة ، باعتبار علاقته غير المشابهة ، وعلاقة الاستعارة هي المشابهة (1) .

وقد سبق لنا القول فيما مضى من هذا الكتاب (2) : إن المجاز اللغوي ذو فرعين في التقسيم البلاغي ، لأن مجاله رحاب اللغة في الانتقال بالألفاظ من معنى الى معنى ، مع وجود القرينة الدالة على المعنى الجديد.

وحديثنا هو القرينة في علاقتها ، فإن كانت العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هي المشابهة ، فالمجاز يسمى إستعارة ، وإن كانت العلاقة هي غير المشابهة ، فهو المجاز المرسل.

ويتضح هذا التقسيم من خلال بلورة الحد الاصطلاحي لكل من الاستعارة المجاز المرسل بإيجاز حد الاستعارة كما يراه أبو عثمان الجاحظ (ت: 255 هـ) هو تسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه (3) .

وبديهي من تعريفه عنايته بالجانب اللغوي لعدم تجلي حدود هذه المعالم إصطلاحيا في عصره ، وإن انطبق تعريفه على جزء المعنى الإصطلاحي.

وهناك حدود متقاربة المعنى ، ومتشابكة المبنى في تعريف الاستعارة عند كل من:

-ابن قتيبة (ت: 276 هـ) (4)

-ثعلب (ت: 291 هـ) (5)

-ابن المعتز (ت: 296 هـ) (6)

-القاضي الجرجاني (ت: 366 هـ) (7)

-علي بن عيسى الرماني (ت: 386 هـ) (8)

وهذه التعريفات وما تبعها من التفريعات متشابهة في الإشارة الى المصطلح حسنا ، والى العناية بالموروث اللغوي للاستعارة حينا آخر (9) .

ومع هذا فإننا نميل الى الكشف العلمي فيما أبانه: ابو الهلال العسكري (ت: 395 هـ) في تعامله مع المصطلح الاستعاري معاملة جديدة. إذ أعطى التعريف بوضوح مع التمثيل القرآني الدقيق فقال عن الاستعارة أنها:"نقل العبارة عن موضع استعمالها في أصل اللغة الى غيره لغرض وذلك الغرض إما أن يكون: شرح المعنى وفضل الإبانة عنه؛ أو تأكيده والمبالغة فيه ، أو الإشارة اليه بالقليل من اللفظ؛ أو تحسين المعرض الذي يبرز فيه."

وهذه الأوصاف موجودة في الاستعارة المصيبة ، ولولا أن الاستعارة المصيبة تتضمن ما لا تتضمنه الحقيقة من زيادة فائدة ، لكانت الحقيقة أولى منها استعمالا" (10) ."

إن هذه الإبانة في تلخيص النقل للمعنى من لفظ الى لفظ ، وإن عبّر عنه بالعبارة تجوزا ، واستحداث معنى جديد في اللفظ ، وجعل الكلمة ذات دلالة لم تجعل لها في أصل اللغة ، وإضافة الفائدة في النقل الاستعاري بدلا من الاستعمال الحقيقي ، إنما هو جوهر الاستعارة وروحها ، فضلا عن كونه كشفا جديدا متوازنا في صنوف الاستعارة وشؤونها؛ وهو متناسب مع ما أكده فيما ضربه من نموذج قرآني رفيع ، شاهدا على ذلك بقوله:"والشاهد على أن للاستعارة المصيبة من الموقع ما ليس للحقيقة أن قوله تعالى: ?يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ? (القلم/42) أبلغ وأحسن وأدخل مما قصد له من قوله لو قال: يوم يكشف عن شدة الأمر ، وأن كان المعنيان واحدا ، ألا ترى أنك تقول لمن تحتاج الى الجد في أمره: شمر عن ساقك فيه ، وأشدد حيازمك له. فيكون هذا القول أوكد في نفسه من قولك: جد في أمرك" (11) .

وما ذهب اليه أبو هلال منتظم لما وجدنا عليه أرسطوا من ذي قبل حينما عدّ الاستعارة: من أعظم الأساليب الفنية ، وأنها آية الوهبة التي لا يمكن تعلمها من الآخرين (12) . ويرى عبد القاهر (ت: 471 هـ) في الاستعارة: أنك تثبت بها معنى لا يعرف السامع ذلك المعنى من اللفظ ، ولكنه يعرفه من معنى اللفظ (13) .

وهو هنا يتحدث عن عائدية الاستعارة وفضلها ، ويعرفها بقوله:"الاستعارة أن تريد تشبيه الشيء وتظهره ، وتجيء الى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه" (14) . ويتضح من عايدية الاستعارة وتعريفها عند عبد القاهر: أن هناك لفظا ومعنى ، وهناك معنى اللفظ ، والاستعارة تختص بالألفاظ ، ولكنه قد أشرك المضمون بالإضافة الى الشكل في جلاء الصورة الاستعارية ، أو المعنى في إدراك مؤدي اللفظ ، وكأنه يريد بذلك: معنى المعنى ، أو المعاني الثانوية في الألفاظ.

حقا لقد استفاد هؤلاء من منهج عبد القاهر في تحديد الاستعارة. وقد خلص لنا مما أرساه أبو هلال ، وما أبانه عبد القاهر: أن الاستعارة جارية في الألفاظ على سبيل النقل اللغوي لغرض تشبيهي. أما المجاز المرسل فحقيقته جاءت على أساس عدم ارتباطه بعنصر المشابهة في ملابسته للمعنى بغير التشبيه ، وتسميته جاءت لخلوه من القيود وسلامته من الحدود ، فالإرسال لغة: الإطلاق. وأرسله بمعنى أطلقه ، لا شك في هذا ، ولما كانت الاستعارة مقيدة بادعاء أن المشبه من جنس المشبه به ، كان المجاز المرسل مطلقا من هذا القيد ، وحرا من هذا الأرتباط ، فهو طليق مرسل وكفى.

ويبدوا أن السكاكي (ت: 626 هـ) هو أول من أطلق هذه التسمية عليه (15) . وأن كان من سبقه قد أدرك الفرق بين الاستعارة وهذا النوع من المجاز ، ولكنه لم ينص عليه إلا من خلال علاقة غير المشابهة كما هي الحال عند عبد القاهر (16) .

وجاء الخطيب القزويني (ت: 739 هـ) فتابع السكاكي في التسمية والتعريف معا ، فقال عنه:"وهو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه ، وما وضع له ملابسة غير التشبيه ، كاليد إذا استعملت في النعمة ، لأن من شأنها أن تصدر عن الجارحة ، ومنها تصل الى المقصود بها ، ويشترط أن يكون في الكلام إشارة الى المولي لها ، فلا يقال: اتسعت اليد في البلد ، أو اقتنيت يدا ، كما يقال: اتسعت النعمة في البلد ، أو اقتنيت نعمة ، وإنما يقال: جلّت يده عندي ، وكثرت أياديه لدي ونحو ذلك" (17) .

وفي هذا التعريف والتنظير تبدو العلاقة بين الاستعمال الحقيقي والمعنى المجازي ، وتظهر الفروق المميزة بين الاستعارة والمجاز المرسل. فبالنسبة لليد ، وهي وإن كانت جارحة لا تتصرف إلا بأمر من الإنسان نفسه ، إلا أنها تستعمل فيما يصدر عنها من العطاء في مقام النعمة ، والبطش في مقام القوة ، والضرب عند التأديب والانتقام ، وبها يتعلق الأخذ والعطاء ، والمنع والدفع ، والصد والرد ، وكل صادر عنها بعلاقة ومناسبة غير المشابهة لدى الاستعمال المجازي ، وإنما بالأثر والقوة والقدرة والوطئة ، ولا مشابهة بين هذه الآثار وبين الجارحة نفسها ماهية وحقيقة.

لهذا فقد كان اختيار علاقة غير المشابهة للمجاز المرسل ، وعلاقة المشابهة للاستعارة ، اختيار موفقا لدى التفريق بينهما ، فكما كانت الملابسة بين اليد والنعمة واضحة في غير المشابهة بين الحقيقتين ، فكذلك ملابسة المشابهة واضحة في الاستعمال الاستعاري بين المشبه والمشبه به في كلمة"نسلخ"من قوله تعالى: ?وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ? (يس/37) .

فشبه سبحانه سلخ النهار من الليل ، بسلخ جلد الشاة ، والسلخ حقيقة إنما يستعمل في هذا المعنى ونظائره فكما كانت الشاة وجلدها ملتحمين ففك التحامهما بالسلخ ، فأصبح كل منهما حقيقة قائمة بذاتها ، فكذلك فك التحام الليل بالنهار فأصبح كل منهما حقيقة قائمة بذاتها ، وأجرى على هذه العملية لفظ السلخ بلحاظ المشابهة بين الحقيقتين في الالتحام قبل السلخ والانفصال التام بعد السلخ ، فكما هو هناك فهو هنا ، وذلك جار على الاستعمال المجازي أيضا ، ولكن بمنظور المشابهة ، وهذه هي علاقة المشابهة التي تختص بالاستعارة ، وما تقدم علاقة غير المشابهة التي تختص بالمجاز المرسل.

1 ظ: ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن: 102.

2 ثعلب ، قواعد الشعر: 46.

3 ظ: ابن المعتز ، البديع: 2.

4 ظ: القاضي الجرجاني ، الوساطة بين المتنبي وخصومه: 41.

5 ظ: الرماني ، النكت في إعجاز القرآن ، ضمن ثلاث رسائل: 79.

6 ظ: تفصيلات ذلك عند المؤلف: أصول البيان العربي: 90.

7 العسكري ، الصناعتين: 274.

8 العسكري ، الصناعتين: 274.

9 ظ: شكري عياد ، أرسوط طاليس ، فن الشعر: 176.

10 عبد القاهر ، دلائل الإعجاز: 31.

11 المصدر نفسه: 53.

12 ظ: الرازي ، نهاية الإيجاز: 82.

13 ظ: السكاكي ، مفتاح العلوم: 174.

14 ظ: ابن الأثير ، المثل السائر: 1/ 365.

15 ظ: السكاكي ، مفتاح العلوم: 195 وما بعدها.

16 ظ: عبد القاهر ، أسرار البلاغة: 376.

17 القزويني ، الإيضاح: 280 ، 397 تحقيق الخفاجي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت