وهذا الذي يفهمونه لا أساس له من الصحة، ولم يكن الكفر والإشراك سببًا قط في قتل المشركين ومطاردتهم. وإنما تتحدث هذه الآية عن مشركي العرب في بدء الدعوة إلى الإسلام، لأنهم وقفوا لها بالمرصاد في ذلك الوقت، واضطهدوا الذين سارعوا بالدخول في الإسلام، وأخذوا يعذبون من استطاعوا تعذيبه منهم، حتى اضطر المسلمون إلى الهجرة ثلاث مرات: مرتين إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة، وحتى بعد هجرة الرسول وأصحابه إلى المدينة، لم يتوقف عداؤهم للإسلام وكبدهم للمسلمين، واستمرت مؤامراتهم ضد الإسلام والمسلمين ثماني سنين بعد هجرة المسلمين إلى المدينة وبذلوا كل ما في وسعهم للقضاء على الإسلام، ومن أبرز ما قاموا به تجييش الجيوش لغزو المدينة في غزوات بدر الكبرى، وأحد، والأحزاب. حتى عقد الهدنة الذي تم في صلح الحديبية لم يوفوا به ونقضوه.
إذن، فإن هذه الآية تتحدث عن قوم قد أضرموا نار العداوة، وأزكوها، وألقوا فيها بكل ما يملكون من ثقل حربي.
ومع هذا حرم الله القتال في أربعة أشهر سماها أشهر حرمًا، وحذر المسلمين من القتال فيها، وهي هدنة استفاد منها المشركون، كما استفاد منها المسلمون، حيث حُقنت دماء الطرفين.
وبعد انتهاء الهدنة، أمر الله المسلمين أن يستأنفوا قتال هذا العدو اللدود، الذي ظل يطارد الدعوة طوال عهديها المكي والمدني، فهذا الأمر كان استئنافًا لجهاد العدو، الذي لم يتغير موقفه من الدعوة.
فالقتال المأمور به في هذه الآية لم يكن موجبه شرك المشركين، بل كان موجبه دفع خطر المشركين على الدعوة، ولو أنهم بقوا على شركهم دون الوقوف في طريق الدعوة واعتداءاتهم على المؤمنين بها، وإيذائهم إياهم في أنفسهم وأموالهم، لما أهدر الإسلام دماءهم، ولما أمرهم بقتالهم، فلا دليل - إذن - في هذه الآية على اتهام الإسلام بالإرهاب والعنف.