وكل ذلك ما لم يترتب عليه مفسدة أكبر من مفسدة تعطيل الحاكمية، لأن القاعدة الشرعية تقول: درء المفاسد أولى من جلب المصالح.
وقد روى الترمذي عن عائشة أنها قالت: (ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه وما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل) (1) ، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة بعد فتح مكة: (لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإن قريشًا، حين بنت البيت استقصرت(2) ، ولجعلت له خلفًا (3 ) ) (4) ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - درأ مفسدة ردة بعض أو كثير من حديثي العهد بالإسلام على مصلحة إكمال بناء الكعبة، لأن المفسدة هنا أكبر وأخطر بكثير من هذه المصلحة.
ثانيًا: أساليب التغيير والإصلاح:
ومن هذه الأساليب الشرعية للتغيير والإصلاح ما يلي:
دعوة الحكام بالحسنى: أي ندعو الحاكم إلى تطبيق حكم الله بالحسنى والموعظة الحسنة، ونذكره بالله ونعمه عليه وبمآله إليه، ونرغبه بما عند الله من الجنة إن أقام حكم الله، ونحذره من عذاب الله بتعطيله لحكمه، نخلص له النصيحة ونأمره بالمعروف وننهاه عن المنكر بالكلام اللين، قال تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } (النحل: 125) .
(1) صحيح مسلم، ك 43 (الفضائل) ، ب 20 (مباعدته للآثام...) 4/1813، ح (2327) .
(2) استقصرت: أي قصرت في إتمام بناءها مثل بناء إبراهيم - عليه السلام - واقتصرت على هذا القدر.
(3) خلفًا: الخلف: الظاهر والمراد: باب من خلفها أو ظهرها، انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 3/68.
(4) صحيح مسلم، ك15 (الحج) ، ب69 (نقض الكعبة وبنائها) 2/968، ح (1333) .