تقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ ـ وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ ـ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ، وَلَا يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ (1) ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ... (2) .
إنها نفس الصفات التي وصفت بها خديجة ـ رضي الله عنها ـ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - حين قالت له ـ وقد خشي على نفسه ـ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ (3) ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (4) .
(1) الكَل: بفتح الكاف، هو من لا يستقل بأمره، ابن حجر: فتح الباري (1/36) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الكفالة، باب جوار أبي بكر في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعقده ح 2297) .
(3) أي تعين من لا يجد كسبًا، فكأنها قالت: إذا رغب غيرك أن يستفيد مالًا موجودًا، رغبت أنت أن تستفيد رجلًا عاجزًا فتعاونه، ابن حجر: فتح الباري (1/36) .
(4) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب بدء الوحي، باب ـ بدون ترجمة ـ ح 3) .