وها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - يقر الصحابة - رضي الله عنهم - على اختيار من يقودهم في مؤتة، دون نص أو أمر منه، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال:"أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ ـ وعيناه تذرفان ـ حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ" (1) .
قال البيهقي ـ رحمه الله ـ:"وفيه دلالة على أن الناس إذا لم يكن عليهم أمير ولا خليفة أمير، فقام بإمارتهم من هو صالح للإمارة، وانقادوا له، انعقدت ولايته (2) ، حيث استحسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فعل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - من أخذه الراية، وتأمرّه عليهم، دون أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودون استخلاف من مضى من أمراء النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه" (3) .
وقد وُجدت العديد من الطرق التي يُوَلَّى ويُعيَّن بها الحاكم منها:
البيعة (4) : وهي مثل بيعة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في سقيفة بني ساعدة.
الاستخلاف (5) : وذلك بأن يقوم حاكم سابق بالعهد إلى حاكم لاحق، ليتولى الحكم من بعده، وذلك كاستخلاف أبي بكر لعمر ـ رضي الله عنهما ـ.
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام ح 4262) .
(2) وفي هذا رد على الإمامية الذين اشترطوا للتولي النص عليه من قبل المشرع، انظر: الجويني: الغياثي (ص 20) .
(3) البيهقي: السنن الكبرى (8/154) .
(4) ابن عابدين: حاشية رد المحتار (4/450) ، النووي: روضة الطالبين (3/433) .
(5) السرخسي: شرح السير الكبير (2/280) ، ابن عابدين: حاشية رد المحتار (4/450) ، النووي: روضة الطالبين (3/433) .