الحق أن متصوفة الزمان ومن تقدمهم بزمن كانوا وصمة عار لا تنمحي، ونقطة سوداء في جبين الإسلام البريء من النقص، والمسلمين الذين فهموا الإسلام كما أراده صاحبه وأهل التصوف الحقيقي أمثال الجنيد والقشيري والمحاسبي الذين كانوا خلاصة أهل السنة في أيامهم، فانتسبت إليهم هذه النابتة المتأخرة وصيرت طريقتهم كالملة المستقلة عن ملة الإسلام. وكل أمورهم جاءت على خلاف طريقة القوم ولم يحتفظوا بغير الاسم فجاء تصوفهم خلقا جديدا مشوه الصورة، بشع المنظر، سيئ المآل.
وها أنا قاص عليك أنموذجأ من دعوات السلف رضي الله عنهم إيفاء بالوعد لتزن دعوات الطرقيين بها وكأني بك محكم دينك وعقلك على هذه الدعوات الطرقية. وأكبر العلم إنك ستبرأ من دعوات الطرائق إجابة لدينك وانتصارا لأهل التصوف الحقيقي فإن رجال الإصلاح إنما يدافعون عن أهل التصوف ويذبون (50) عن هداهم حتى لا يختلط المحق بالمبطل.
أخرج الطبري عن مدرك بن عمران قال: كتب رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فادع الله لي. فكتب إليه عمر: إني لست بنبي ولكن إذا أقيمت الصلاة فاستغفر لذنبك (51) . فمنعه عمر وأنكر عليه كما ترى، وليست إباية عمر من جهة أصل الدعاء للغير فقد فعله كما في أثر آخر، وإنما أبى عليه إجابة طلبه لفهمه من قصد الكاتب أمرا زائدا على أصل الدعاء يخرجه عن أصله كما يرشد إليه قوله: (( لست بنبي ) ). ويدل على ما قلنا: ما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه لما قدم الشام أتاه رجل فقال: استغفر لي. فقال: لا غفر الله لك. ثم أتاه رجل آخر فقال: استغفر لي. فقال: لا غفر الله لك ولا لذاك أنبي أنا (52) ؟ فهذا الأثر قد أوضح أن سعدا رضي الله عنه لما بان له أن الرجلين فهما من دعائه ما لم يؤذن له فيه شرعا من المقاصد التي تخرج المشروع عن مشروعيته؛ رد عليهما قصدهما بأشد ما يرد المنكر فرارا من أن تنقلب معالم الدين ويبلغ بهم الحال إلى ما بلغنا إليه.