خدع أشياخ الطرائق بهذه الرئاسة المبتدعة- رئاسة تصديهم للدعوات- فأدخلوها إلى دين الإسلام، ذلك الدين الذي لا يعرف ولا يبيح لمخلوق أن يضع نفسه في هذا الموضع المملوء بالشوك والريب في الدين. ومن تأهل لهذه الدعوات فدين الإسلام- الذي أمر فيه نبيه بأن يخاطب الإنسانية على تباين أجناسها واختلاف لغاتها وتباعد أزمانها، بأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بتقوى الله، وأنه لا يغني أحد عن أحد شيئا (39) ، وأن الأعمال بالخواتيم (40) ، وأن الزجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه (41) - فحال أن يعقل فيه التسامح لأي مخلوق لم تثبت له عصمة أن يؤهل نفسه لهذه الدعوات التي جنّ بها أشياخ الطرائق وأذنابهم جنونا أنساهم كل ما في دينهم مما ينقض هذه الوظيفة الدخيلة في دين الإسلام، الغريبة عن تعاليمه المتروكة من سلف الأمة الممقوتة في دينهم المتلقي عن نبيهم.
وقد جلبت هذه البدعة السمجة (42) على الأمة عقلية هي أمس العقليات بعقل بعض الأمم اللاتينية قبل هذه العصور المتأخرة، تلك العقلية التي كانت معولا من معاول الهدم في أممهم، وداء عضالا في جسم الشعوب، وآية بينة على سفه العقل البشري.
وقد كانت الدعوات أيام السلف رضي الله عنهم مستعملة مرغبا فيها في حدود ما تلقوه عن صاحب الملة يدعو الفرد منهم لنفسه ولأخيه أو للأمة من غير أن يرى من نفسه فضلا له أو مزية أو خصوصية تجعله قمينا (43) بإفراغ الدعوات على ما يشاء إفراغا، وجديرا بالدعوات المستجابة التي تجعل الناس تشد إليهم الرحال من أقصى البلاد إلى أقصاها لتغترف من دعواتهم كما فعل أشياخ الطرائق قبل الآن، وفي هذه الأيام التي أصبحوا فيها يغتصبون الولاية والصلاح اغتصابا رضي الصلاح أم أبى، وسلم العلم أم أنكر.