الصفحة 39 من 45

-النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسمًا، ولا كان السلف يعظمونه: كثامن عشر ذي الحجة [1] الذي خطب النبي صلى الله عليه وسلم فيه بغدير خم [2] مراجعة من حجة الوداع وكذلك ما يحدثه بعض الناس: إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى-عليه السلام-،وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد [3] لا على البدع - من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع فيه لو كان خيرًا، ولو كان خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف - رضي الله عنهم- أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص، وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته، وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وأكثر هؤلاء الذين تجدهم حرَّاصًا على أمثال هذه البدع-مع ما لهم فيها من حُسن القصد والاجتهاد الذي يرجى لهم بهما المثوبة [4] - تجدهم فاترين في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عما أُمروا بالنشاط فيه، وإنما هم بمنزلة من يزخرف المسجد ولا يصلي فيه، أو يصلي فيه قليلًا، وبمنزلة من يتخذ المسابيح والسجادات المزخرفة، وأمثال هذه الزخارف الظاهرة التي لم تُشرع، ويصحبها من الرياء والكِبْر، والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال صاحبها )) [5] ا. هـ.

-وقال الشاطبي في (( الاعتصام ) )بعد أن عرف البدعة بأنها: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه: (وقوله في الحد: [تضاهي

(1) - سيأتي الكلام عن بدعة عيد غدير خم من هذا الكتاب.

(2) - غدير خم: يقع بين مكة والمدينة بالجحفة، سيأتي الكلام عنها من هذا الكتاب.

(3) - قال الشيخ محمد حامد الفقي في تعليقه على اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية: (كيف يكون لهم ثواب على هذا؟ وهم مخالفون لهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهدي أصحابه، فإن قيل: لأنهم اجتهدوا فأخطأوا، فنقول: أي اجتهاد في هذا؟ وهل تركت نصوص العبادات مجالًا للاجتهاد؟ والأمر فيه واضح كل الوضوح، وما هو إلا غلبة الجاهلية وتحكم الأهواء، حملت الناس على الإعراض عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين اليهود والنصارى والوثنيين وهل تكون محبة وتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن هديه وكرهه وكراهية ما جاء به من الحق لصلاح الناس من عند ربه، والمسارعة إلى الوثنية واليهودية والنصرانية؟ ومن هم أولئك الذين أحيوا تلك لأعياد الوثنية؟.

هل هم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد أو غيرهم من أئمة الهدى - رضي الله عنهم-؟ حتى يعتذر لهم ولأخطائهم. كلا. بل ما أحدث هذه الأعياد الشركية إلا العبيديون الذين أجمعت الأمة على زندقتهم وأنهم كانوا أكفر من اليهود والنصارى، وأنهم كانوا وبالًا على المسلمين، وعلى أيديهم وبدسائسهم، ومانفثوا في الأمة من سموم الصوفية الخبيثة انحرف المسلمون عن الصراط المستقيم، وكلام شيخ الإسلام نفسه يدل على خلاف مل يقول من إثابتهم إلخ. فليراجع.

يراجع: تعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية ص (294، 295) .

وكذلك يراجع: الرد القوي للشيخ حمود التويجري ص (149 - 153) ، والقول الفصل ص (38، 101،104) ، ولعل سبق قلم من الشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، لاسيما وأنه لا أحد يستطيع إنكار جهود الشيخ في قمع البدع والتحذير منها ومحاربتها باللسان والقلم والسيف، وأنه من المبرزين في هذا المجال، والله أعلم.

(4) - يراجع تعليق الشيخ حمود التويجري في الرد القوي ص (149) .

(5) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 612،616) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت