روى مسلم والبيهقى من حديث داود بن أبى هند عمرو بن سعيد بن جبير عن ابن عباس (- رضي الله عنه -) قال: قدم ضماد مكة وهو رجل من أزدشنوءة وكان يرقى من هذه الرياح فسمع سفهاء من سفهاء مكة يقولون:
إن محمدًا مجنون! فقال: أين هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدى؟ قال: فلقيت محمدًا فقلت: إنى أرقى من هذه الرياح، وأن الله يشفى على يدى من شاء فهلم!! فقال محمد (- صلى الله عليه وسلم -) :"إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأن لا اله إلا الله وحده لا شريك له. ثلاث مرات -"فقال ضماد: والله لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات فهلم يدك أبايعك على الإسلام فبايعه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقال له:"وعلى قومك"فقال: وعلى قومى. (1)
ثانيًا: تمتعه (- صلى الله عليه وسلم -) بصفات نفسية وأخلاق شخصية أهلته لحمل الرسالة:
لقد عرف رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) باستقامته وصدقه، وكان يلقب بين قومه - قبل البعثة وبعدها - بالصادق الأمين، رفيع الأخلاق، سامى الخصال، عصمه ربه من الانزلاق في مهادى رذيلة قومه وأوثانهم.
يقول المستشرق"جرسان دتاس":"إن محمدًا ولد في حضن الوثنية، ولكنه منذ نعومة أظافره أظهر عبقرية فذة، وانزعاجًا عظيمًا من الرذيلة وحبًا جادًا للفضيلة، وإخلاصًا ونية حسنة غير عاديين إلى درجة أن أطلق عليه مواطنوه في ذلك العهد اسم الأمين." (2)
وبديهى أن يعتبر المؤرخون المسلمون تلك الصفات وهذه السجايا من دلائل النبوة، وتتمثل أشد ما تتمثل في عصمة الله لرسوله المرتقب من أجواء الرذيلة الشائعة في الجاهلية، وأنه (- صلى الله عليه وسلم -) كان يشعر انطلاقًا من حدسه بأن عليه الابتعاد عن المعاصى والموبقات.
يتحدث الباحث الأرجنتينى دون بايرون (1839 - 1900) فى مؤلفه"أتح لنفسك فرصة"فيقول:"لا يبعد أن يكون محمد يحس بنفسه أنه في طينته أرق من معاصريه، وأنه يفوقهم جميعًا ذكاءً وعبقرية، وأن الله اختاره لأمر عظيم، وقد اتفق المؤرخون على أن محمد بن عبد الله كان ممتازًا بين قومه بأخلاق حميدة، ومن صدق الحديث والأمانة والكرم وحسن الشمائل والتواضع حتى سماه أهل بلده الأمين، وكان من شدة ثقتهم به وبأمانته يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم، وكان لا يشرب الأشربة المسكرة ولا يقيم للأوثان احتفالًا، وكان يعيش مما يدره عليه عمله من الخير ..." (3)
ومن عظمته (- صلى الله عليه وسلم -) التى اشتهر بها وتفوق بها على أقرانه ومن هم في مثل سنه"حكمته (- صلى الله عليه وسلم -) ". وتجلت يوم وضع الحجر الأسود عندما تنازعت قبائل قريش فيما بينهم - عند بناء الكعبة - من الذى يضع الحجر مكانه؟ فقالوا: نحكم أول من يدخل من باب بنى شيبة، فكان أول من دخل منه محمدًا (- صلى الله عليه وسلم -) . فأخبروه فأمر بثوب فوضع الحجر وسطه، وأمر كل فخذ من قبائل قريش بأن يأخذ بطائفة من الثوب فرفعوه ثم أخذه بيديه الشريفتين فوضعه مكانه" (4) "
(1) رواه مسلم ح 868.
(2) جرسان دتاسى، نقلًا عن كتاب الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة لمحمد الشيبانى ص 20.
(3) دون بايرون: أتح لنفسك فرصة تعريب عبد المنعم محمد الزيادى.
(4) رواه أحمد فى"المسند"وأبو داود الطياليسى، والبيهقى، وأبو نعيم .. وحسنه الهيثمى.