لقد ربط أرثر جيلمان في كتابه - الشرق - بين هذه الحادثة التى منعت اقتتال القبائل التى هى بطون قريش وَوَحَدَت أرادتهم في بناء الكعبة وبين المرحلة اللاحقة لبدء البعثة، والتى تشكل مقدمة للنبوة وعلامة من علاماتها بقوله:"لابد أن يكون محمد قد تأثر بإعجاب قومه وتقديرهم العظيم، هذه الفكرة التى بسطت السلام بين مختلف القبائل، وقد اتفق المؤرخون على أن محمد كان ممتازًا بين قومه بأخلاق جميلة: من صدق الحديث، والأمانة، والكرم، وحسن الشمائل والتواضع، حتى سماه أهل بلده"الأمين"وكان من شدة ثقتهم به يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم، وكان لا يشرب الأشربة المسكرة ولا يحضر للأوثان عيدًا ولا احتفالًا" (1)
وهذه عصمة لمحمد (- صلى الله عليه وسلم -) عن كل أسباب التلوث العقائدى، والتلوث الفكرى، والعملى، وتمهيدًا لما هو مقبل عليه من حمل الرسالة وإصلاح البشرية كلها.
وكان محبًا للفقراء، عطوفًا على الضعفاء، ناصرًا للمظلوم، حتى إنه دخل في حلف الفضول الذى تعاهد فيه فريق من ذوى الكرم والنجدة من قريش في الجاهلية على إغاثة الضعفاء، والمظلومين وتخليص حقوقهم التى يهضمها الأقوياء المستعِبدون من زعماء العشيرة.
ولذلك وصفته السيدة عائشة (رضى الله عنها) بأنه"كان خلقه القرآن" (2) أى كما جاء في القرآن من تعاليم. ولما سألته (رضى الله عنها) : هل أتى عليك يومًا كان أشد من يوم أحد؟ - حيث وقع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فى حفرة حفرها المشركون ليقع فيها المسلمون وشج وجهه، وكسرت رباعيته ودخلت حلقتان من المغفر الذى يستر به وجهه في وجنته وجرحت شفتاه وسال دمه الشريف الطاهر على وجهه ولحيته، فأخذ يمسح الدم عن وجهه وهو يقول:"كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدماء؟!"ومع ذلك رفع يديه إلى السماء وقال:"اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون"- عند ذلك أجاب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) :"لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل"وذكر لقاء الطائف وما لقاه من ثقيف من صد وظلم وتكذيب وعدوان وطغيان، من أجل هذا الخلق العظيم والصبر الجميل يرسل له رب العالمين ملك الجبال يستأمره أن يطبق عليهم الأخشبين فقال النبى (- صلى الله عليه وسلم -) :"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا"
فهذه أخلاق الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) والذى ما عرفت البشرية بأسرها كمحمد (- صلى الله عليه وسلم -) بهر الدنيا بسيرته، وملأ التاريخ بعظمته، وشمل الخلائق كلها برحمته حتى أثنى عليه ربه بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ} (3) ، يقول إدوارد مونتيه أستاذ اللغات الشرقية في جامعة جينيف (1856 - 1927) :"أما محمد فكان كريم الخلق حسن العشرة، عذب الحديث، صحيح الحكم، صادق اللفظ، وقد كانت الصفة الغالبة عليه هى صحة الحكم، وصراحة اللفظ والإقناع التام بما يقبله ويقوله. إن طبيعة محمد الدينية تدهش كل باحث مدقق نزيه القصد، بما يتجلى فيها من شدة الإخلاص ..." (4)
(1) أرثر جيلمان، الشرق ص 117.
(2) رواه مسلم ح 512، 513، وأحمد فى"مسنده" (6/ 91، 163) ، والبيهقى في سننه (2/ 499) ، والبخارى في الأدب (308)
(3) الأنبياء 107.
(4) إدوارد مونتيه عن حاضر الإسلام ومستقبله، راجع: محمد في الدراسات الاستشراقية المنصفة ص 137.