أما قول النبي صلى الله عليه وسلم:"المؤمن لا ينجس"فمفهومه أن الكافر ينجس ، بل هو نجس بدلالة صريح القرآن ، قال تعالى: (( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) )سورة التوبة: ( 28 ) . ومعلوم أن نجاسة الكافر ليست حسية ؛ بل معنوية ( حكمية ) ، فلو اغتسل بمياه الأرض كلها لما زال عنه هذا الوصف حتى يؤمن ، فدل ذلك - بالمقابلة - على أن المقصود بالنجاسة في الحديث: النجاسة الحكمية المعنوية التي لا تزول إلا بزوال وصف الإيمان ، لا الحسية الشرعية التي تزول بزوال سببها في كل وقت ، ولهذا - والله أعلم - جاء التعبير بالفعل المضارع (ينجس) الذي يدل على التجدد والاستمرار والدوام .
ويتفرع عن هذا أن الكافر لا يجوز تمكينه من مس المصحف لأنه فاقد للطهارتين الحسية والمعنوية ، بخلاف ما قرره الكاتب - غفر الله لنا وله - من أن ذلك جائز للضرورة . وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة إن شاء الله .
أما حديث عائشة رضي الله عنها:"كان يذكر الله على كل أحيانه"فليس فيه دليل صريح على جواز مس المصحف لغير المتطهر ولا قراءة الجنب للقرآن ، وليس هو معارضًا لأحاديث المنع ، فإن الجمع بينهما ممكن ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه ، فإن أصابته جنابة امتنع عن قراءة القرآن دون سائر الذكر حتى يتطهر ، وهذا لا يخرجه من كونه ذاكرًا لله على كل أحيانه ، ولذا لم تقل عائشة: كان يقرأ القرآن على كل أحيانه ،وهذا من فقهها رضي الله عنها ، ثم إن وقت الجنابة لا يطول في العادة .
وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث والنصوص ؛ فإنه لا يقال بالتعارض ، ولا يُلجأ إلى الترجيح ، وإعمال النصوص كلها أولى من إهمال بعضها ، أو تكلف تأويلها وردها .