ثم إن الكاتب ناقض نفسه بنفسه ، فجعل الخبر في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يمس القرآن ) )بمعنى الأمر ، على المعنى الذي فهمه ، فقال:"والمراد: عدم تمكين المشرك من مسه"، وكان قد قرر قبل ذلك بما نقله عن ابن حزم أن الخبر لا يجوز صرفه عن ظاهره إلى معنى الأمر إلا بنص جلي ، أو إجماع متيقن ( انظر ص 6) ، فأين هنا النص الجلي أو الإجماع المتيقن ؟! .
فإن قال: بل هناك نص جلي ؛ وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو ..
فالجواب: إن هذا غير مسلّم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو خشية امتهانه كما جاء في بعض روايات الحديث [1] ، لا من أجل مجرد المس . وقد قرر ذلك الكاتب بنفسه كما في ص 13 ، فيبقى الخبر كما قررته سابقًا ، لا خبرًا عن الواقع ، ولا بمعنى الأمر . وإنما خبر عن الشرع ، فيكون المعنى: حقه وقدره ألا يمسه إلا مسلم متطهر .
ثم ذكر الوجه الثاني ، المرجح - عنده - لكون كلمة ( طاهر ) في الحديث تعني المؤمن ، فقال:"الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب إلى الملوك الكفار ، ويضمن كتبه إليهم هذه آيات من القرآن ، ولا شك أنهم كانوا يمسون هذه الكتب ، أو يمسها من يقرأ لهم من بطانتهم ممن على مثل دينهم" ( ص8 ) .
والجواب عن ذلك: أن هذه الكتب التي يبعثها النبي إلى الكفار لا تسمى قرآنًا - وإن تضمنت منه آية أو آيتين - ولا هي في حكم القرآن أو المصحف ، فهي كسائر كتب التفسير والحديث والأذكار ونحوها .. ، وهذه لا خلاف في جواز مسها
فإن قال - وقد قال ذلك -: إن الآية مكية ، والقرآن لم يجمع في مصحف واحد إلا في المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .. ( ص 26 ) .
فالجواب عن ذلك من وجهين:
(1) - انظر مسند أحمد 6/261 ح 4576 ط أحمد شاكر .