الثالث: حديث جابر في قصته مع أبي بكر، ووجه الدلالة منه أن أبا بكر قال: من كان له على النبي r دين أو كانت له قِبَلَه عِدَة... الحديث.
فجعل العِدَة كالدين، وأنجز لجابر ما وعده به النبي r من المال، فدل ذلك على الوجوب.
الرابع: حديث ابن عباس في أي الأجلين قضى موسى، ووجه الدلالة منه أنه قضى أطيبهما وأكثرهما، وأن رسول الله r إذا قال فعل، فعلى المؤمنين الاقتداء بالرسل، وأن يفعلوا إذا قالوا، وفي الاستدلال بهذه الأحاديث مناقشات من المخالفين. ومن أقوى الأدلة في الوفاء بالعهد قوله تعالى:"كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ"الصف آية (3) لأن المقت الكبير من الله على عدم الوفاء بالقول يدل على التحريم الشديد في عدم الوفاء به، وقال ابن حجر في (( الفتح ) )في الكلام على ترجمة الباب المذكور، وقال الملهب:
"إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض، لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء"أ.هـ.
ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل، وقال ابن عبدالبر وابن العربي أجلُّ من قال به عمر بن عبدالعزيز: انتهى محل الغرض من كلام الحافظ في الفتح.
وقال أيضًا: وخرج بعضهم الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في الهبة، هل تملك بالقبض أو قبله؟ فإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة وما استدل به كل فريق منهم فاعلم أن الذي يظهر لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم: أن إخلاف الوعد لا يجوز لكونه من علامات المنافقين، ولأن الله يقول:"كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ"وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم به جبرًا بل يؤمر به ولا يجبر عليه لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر على الوفاء به لأنه وعد بمعروف محض والعلم عند الله تعالى [16] .أ.هـ.