والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليكم حكيم" (41) ، فقد أوضحت هذه الآية أن مصارف الصدقات ثمانية، ولا مجال هنا للخوض في تفاصيلها أما مصارف الضريبة فهي تصرف على حاجيات الدولة بل ومحسناتها، وبعبارة موجزة فالدولة تصرفها ضمن بقية أموالها في شؤون الحرب والدفاع والخدمات العامة، وفي تطوير برامجها ونحوها، فالدولة ليست ملزمة بتحديد مصرفها بل تصرفها حسب خططها وإرادتها."
أسس فرض الزكاة، وفرض الضريبة: يقوم فرض الزكاة في الإسلام على عدة أسس من أهما:
أ - أساس التكليف، والعبودية والخضوع والاستسلام لله رب العالمين، وتعمير الكون على ضوء منهج الله تعالى، وأن الإنسان لم يخلق إلا لعبادة الله تعالى (بمعناها الشامل) حيث تقتضي هذه العبودية الاستجابة لأوامر الله تعالى والانتهاء عن نواهيه، فكان فرض الزكاة نابعا من حقوق وواجبات هذه العبودية، ومنبثقًا من مبدأ الاستسلام لله رب العالمين تطبيقًا لمعنى الإسلام، وتنفيذا لقوله تعالى:"وما كان لمؤمن لا مؤمنه إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم" (42) وقوله تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا (43) ."
ب - أساس الاستخلاف في الأرض وفي المال، فالمبدأ الإسلامي بخصوص المال يقضي بأن المسلم مستخلف في ماله، لأن المال لله تعالى، وأنه تعالى هو المالك الحقيقي له ولكن الله تعالى استخلفنا في الأموال ولذلك يذكرنا الله تعالى بهذا الاستخلاف عند طلب الإنفاق حيث يقول تعالى:"وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه" (44) .
فإذا تقرر في عقيدة المسلم هذا المبدأ وترسخ في قلبه وكيانه سهل عليه أن ينفذ أوامر المستخلف المالك الحقيقي في الإنفاق وفي مصارفه بالشكل الذي يريده، المالك ولذلك يأتي وصف هؤلاء في سورة الإنسان"ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرا"حيث يطعمون هؤلاء الفئات التي لا يرجى منها أي طمع دنيوي، اللهم"إنما نطعمكم لوجه الله .. لا نريد منك جزاء ولا شكورا، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا .." (45) ، بينما يأتي وصف الكافرين الذين لا يؤمنون بهذا الاستخلاف بقوله تعالى"أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين" (46) فالذي ليس له هذا إيمان لماذا ينفق أمواله بدون فائدة ظاهرية في الدنيا فلماذا ينفق على اليتيم الذي لا يحس بشئ ولا يرجى منه طمع دنيوي؟ ولماذا يدفع أمواله للفقراء والمحتاجين؟ وإنما يدفع أمواله لقضاء شهواته ويحض على طعام الجاه الذين يقابلونه بنفس الأسلوب، أو يتوقع منهم الكثير؟
فدفع الزكاة يجسد هذا المبدأ بصورته المتكاملة، حيث يلتزم به المسلم تنفيذًا لأمر خالقه ومالكه
ج - أساس الأخوة الإسلامية في نظر الإسلام أخوة تفوق أخوتهم أخوة الدم والنسب، قال تعالى:"إنما المؤمنون إخوة" (47) ، ومن مقتضى الاخوة التعاون والعطاء والبذل والإنفاق، فلكل شيء حقيقة الأخوة أن يساهم الأخ في ضراء أخيه فيساعده، ويدفع حاجته مادام قادرًا على ذلك ولذلك شبه الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين الصادقين (بالجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد وسلم المؤمنين الصادقين(بالجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى) (48) ، وهذا دليل على أن من لم يحس بأخيه وبحوائجه وآلامه فليس بمسلم حقيقي، فالزكاة تجسد هذه الأخوة حيث تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء لسد حاجتهم وعوزهم.
د - أساس التكافل الاجتماعي الذي يقضي بأن يقوم المجتمع الإسلامي على تكافل حقيقي يكون كفيلًا وضامنًا لأخيه الفقير، من خلال مشاركته معه ومساهمته في رفع حاجته وعوزه، ويكون الجميع متعاونين يحمل