والاعتساف والإجحاف وبذلك نجمع بين الأدلة المتعارضة في ظاهرها حيث يدل بعضها على جواز ذلك مطلقا وبعضها على المنع، وذلك بأن تحمل أدلة المنع على حالات عدم الحاجة، والظلم والجور والإعتساف وأدلة الجواز على حالات الحاجة مع ضوابط العدل والمساواة والإنصاف، يقول السرخسي، ماروي من ذم العشار فمحمول على مايؤخذ مال الناس ظلما كما هو في زماننا دون مايؤخذ ماهو حق (136) .
وقد أكد فقهاؤنا هذا الأصل والاستثناء حيث يقول صاحب المعيار العرب في جواب سؤال حول حكم فرض الخراج على الرعية (أن الأصل أن لا يطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة وما أوجبه القرآن والسنة كالفيء والركاز، وإرث من يرثه بيت المال، وهذا ما أمكن به حمل الوطن وما يحتاج له من به حمل جند ومصالح المسلمين وسد ثلم الإسلام فإذا عجز بيت المال عن أوراق الجند وما يحتاج إليه من آله حرب وعدة فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك وعند ذلك يخرج هذا الحكم ويستنبط من قوله تعالى(قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا) (137) لكن لايجوز هذا إلا بشروط ... (139) .
وهناك فتوى شبه جماعية في مذهب مالك حيث جمع الأمير العادل يوسف بن تاشفين (410 - 500هجرية) العلماء والقضاة في المغرب وبينهم أبو الوليد الباجي وعرض عليهم حاجة الدولة إلى أموال إضافيه من أجل تجهيز الجيوش ومدافعة الأعداء وعدم وجود المال الكافي في بيت المال فأجازوا له أن يأخذ من أموال المسلمين ما يف بذلك (140) .. وقد حدث مثل ذلك في أيام قطر بمصر حينما أراد التجهيز لقتال التتار حيث جمع القضاة والفقهاء والأعيان لمشاورتهم في أخذ الأموال ليستعان بها على جهادهم وكان من بينهم القاضي بدر الدين السنجارى قاضي قضاة الديار المصرية وحضرة الشيخ عز الدين بن عبد السلام فتناقشوا في الأمر فانتهوا إلى ما قاله من أنه طرق العدو بلاد الإسلام وجب على العالم قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ماتستعينون به على جهادكم بشرط أن لايبقى في بيت المال شئ، وتبيعوا مالكم من الحوائص (141) المذهبة والآلات النفيسة ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه وتساووا هم والعامة أما أخذ الأموال من العامة مع بقايا ما في أيدى الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا (142) . وتكرر هذا الموقف للإمام النووي مع الظاهر بيبرس (143)
ونرى مثل هذه الفتاوى المتزنة لدى فقهائنا الذين تطرقوا لمثل هذه القضية مثل الغزالي (144) والشاطبي (149) 00والجويني (150) والقرطبي (151) وابن العربي (152) والشوكاني وغيرهم حتى قال امام الحرمين: فإذا كانت الدماء تسيل على حدود الظبات - الشيوف - فالأموال في هذا المقام من المستحقرات واجمع المسلمون على انه إذا اتفق في الزمان مضيعون فقراء تعين على الأغنياء أن يسعوا في كفايتهم وكذلك اتفقوا كافة على وجوب بذل الأموال ... في جهات فرض الكفايات فلاح على ابلغ وجه في الإيضاح انه يجب على الأغنياء في هذا القسم أن يبذلوا فضلات أموالهم ... حتى تتجلى هذه الداهية أي احتلال الكفار لديار الإسلام وتنكف الفئة المارقة الطاغية.
الشروط المطلوبة لفرض الضرائب.
ومع التأكيد على أن الأصل هو عدم إباحة فرض الضرائب والاستثناء هو جوازها لابد أن يكون هذا الاستثناء في إطار الشروط والضوابط التالية وهذا ماأكده فقهاؤنا المحققون يقول القاضي ابن العربي:
ذلك أي أخذ الأموال من الرعية - بثلاثة شروط:
الأول: ألا يستأثر بشيء عليهم ...
الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة منهم ..