الصفحة 15 من 30

فالحكمة من وضع الخراج هو أن تبقى الأرض المفتوحة بأيد أصحابها ليزرعوها ويعمروها وفي ذلك فوائد كثيرة عليهم حيث تبقى بأيديهم مصادر رزقهم، ويصبح خراجها مصدرا ثابتا من مصادر تمويل الدولة، وبذلك يكون لبيت المال دخل جيد ثابت (تقريبا) يستعين به لتحقيق المجتمع الإسلامي المتكافل القوي، إضافة إلى إبقاء المجاهدين على جهادهم كقوة عسكرية لا تشتغل بالأرض بل تتفرغ للجهاد فضلا عن عمر رضي الله عنه ووافق عليه الصحابة بعد حوار ونقاش عندما تم فتح سداد العراق حيث رأى أن لا توزع الأراضي المفتوحة بل تبقى بأيدي أصحابها (يكونون عمار الأرض فهم أعلم بها) وخالفه بعض الصحابة في البداية وعلى رأسهم بلال، ثم أهتدى عمر رضي الله عنه إلى آيات سورة الحشر من قوله تعالى (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول) إلى قوله (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) (93)

فوجد فيها الدلالة الواضحة على ضرورة رعاية حقوق الأجيال اللاحقة، وهذه الرعاية إنما تتحقق بإبقاء الأرض المفتوحة للدخل الدائم المستمر ليستفيد منه كل جيل، حيث قال عمر بعد أن تلا عليهم آيات الحشر: قد أشرك الله الذين يأتون من بعدهم في هذا الفيء فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولئن بقيت ليبلغن الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه وقد بين عمر رضي الله عنه، الغرض من وضع الخراج وهو أن تكون حصيلة ما تجبى للدفاع والجهاد والخدمات العامة ولتحقيق التكافل الاجتماعي حيث قال: فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وارض الشام بعلوجها، فما يسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل بهذه البلد وبغيره (95)

اجتماع الزكاة والخراج:

يتصور هذا الاجتماع في حالة ماذا اسلم صاحب الأرض الخراجية، او اشتراها مسلم أو استأجرها فهل تؤخذ منه زكاة وخراج؟ اختلف فيه الفقهاء فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (96) إلى جواز اجتماع الزكاة والخراج، لأنهما حقان مختلفان من حيث الأساس والمصرف حيث الخراج مفروض على الأرض ويصف مصارف الفيء الزكاة مفروضة على ما يستخرج منها من زروع وثمار.

وذهب الحنفية إلى عدم جواز الجمع بينهما حيث يظل الخراج هو الأساس فإذا دفع المسلم الخراج على أرضه الخراجية سقطت عنه الزكاة (97) واستدلوا بحديث (لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم) (98)

ولسنا هنا بصدد عرض أدلة الطرفين ومناقشتهما لكن الذي يظهر رجحانه هو قول الجمهور لأن الخراج أمران مختلفان فلا يغني أحدهما عن الآخر، والحديث الذي استدل به الأحناف حديث ضعيف لا ينهض حجة، لأن فيه يحي بن عنبسة، قال الحافظ الزيلعي، قال ابن عدي: يحي بن عنبسه منكر الحديث، وإنما يروي هذا من قول إبراهيم فجاء يحي فأبطل فيه، ووصله النبي صلى الله عليه وسلم ويحيى مكشوف الامر في ضعف لرواياته عن الثقات الموضوعات انتهى قال ابن حبان: ليس هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحيى بن عنبسة دجال يضع الحديث لا تحل الرواية عنه .. وقال الدار قطني يحي هذا دجال يضع الحديث وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (99) .

والخراج كان منذ عهد عمر رضي الله عنه يؤخذ سنويا من الأرض مع قطع النظر عن إنتاجها حيث يؤخذ على جريب، وهذا يسمى بخراج الوظيفة ثم حدثت ظروف وتغيرات دفعت الخليفة أبو جعفر المنصور إلى القول بخراج المقاسمة بأن تأخذ الدولة جزءا شائعا من غلة الأرض مثل الربع، والخمس، ونحوهما، ويتكرر هذا الواجب بتكرر الزراعة (100) وهذا يدل على أن تقدير الخراج منوط باجتهاد الإمام حسبما يحقق من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت