الصفحة 14 من 30

منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها (81) وقد خاض حربا في وقت حرج جدا لأجل تنفيذ أحكام الله وحقوق الفقراء وبهذا فإن هذه الحادثة تعتبر الأولى من نوعها على مر التاريخ أن تخوض الدولة الحرب لأجل الفقراء قال الشوكاني: وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن مانع الزكاة يقاتل حتى يعطيها (82) .

ثم إن الممتنع الفرد إذا كان إمتناعه لأجل عدم الإيمان بالزكاة فهو كافر مرتد بالإجماع وحكم المرتد القتل لأنها مما علم في الإسلام بالضرورة وإن كان لغير ذلك فيجبر على الدفع ويقاتل بكل الوسائل المتاحة حتى يدفعها كما أن هذا الحق ثابت لا يسقط بالتقادم بل هو دين يدخل ضمن ديون التركة (83) .

وهنا يثور تساؤل حول مدى تقرير العقوبة على من أخفى زكاته أو امتنع عن أدائها فهل يعاقب؟

لا خلاف بين الفقهاء فيجوز العقوبات التعزيزية في مثل هذه المنكرات ولكن الخلاف يثور في مدى جواز تقرير العقاب بالغرامة المالية؟ ذهب جماعة من الفقهاء (84) منهم الشافعي في القديم وأبن راهوية وأبو بكر الحنبلي إلى جواز تغريمه مستدلين بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن منعها فإنا أخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ..(85) وهذا الحديث رواه أحمد والحاكم والنسائي وأبو داود والبيهقي واختلف في سنده ولكنه ينهض حجة حيث صححه بعض وحسنه آخرون وهذا واضح في الدلالة على إقرار عقوبة مالية على الممتنع كما أن هناك أدلة أخرى من السنة على هذا المبدأ ليس في مجال بحثها (86) إضافة إلى جواز حبسه عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (مطل الغني ظلم) وفي رواية (يحل عرضه وعقوبته) (87)

هل يجوز للحاكم فرض الضريبة بجانب الزكاة؟

للجواب عن ذلك يحتاج إلى تفصيل وتأصيل وهو أولا: أن هناك فرائض مالية (ضرائب) مشروعة منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم أو خلفائه الراشدين فرضت قبل الدولة المسلمة مثل الجزية والخراج والعشور على التجار غير المسلمين هي في جوهرها بمثابة ضرائب مالية فهذه الأنواع الثلاثة لا تحتاج فيها إلى إجتهاد لأنها ثابتة بالإنفاق، وكذلك الأمر في الخمس المفروض على الركاز الشامل للمعادن والكنوز إضافة إلى الفيء والغنائم فهذه الأمور موارد مالية أخرى للدولة المسلمة لتغطية حاجياتها، ولتحقيق المجتمع الآمن الغني السعيد، وسنلقي بعض الأضواء على بعض هذه الأنواع وهي:

أ - التجزئة: وهي المال المأخوذ من أهل الذمة كل عام مقابل بقاءهم في دار الإسلام وحقوقهم المكتسبة بعقد الذمة (88) وهي تصرف مصرف الفيء وتؤخذ من الذكور البالغين العقلاء مرة واحدة في كل سنة وليس لها مقدار محدد، وإنما تقديرنا يعود إلى إجتهاد الحاكم بما لا يؤدي إلى ظلم وحيف وإجحاف وهذا قال به أحمد في رواية وأبو عبيد والثوري، وذهب آخرون منهم أبو حنيفة والشافعي إلى أنها مقدرة بقدر لا يزاد عليه ولا ينقص بحيث يؤخذ من كل بالغ عقال دينا أو عله، بينما ذهب رأي ثالث إلى أن أقلها مقدر بدينار، وأكثرها غير مقدر، وهذا اختيار أبي بكر الحنبلي (89) .

فهذا النوع بمثابة الضريبة النسبية، أو التصاعدية حسب اجتهاد الحاكم على الرأس وحكم الجزية ثابت بالكتاب والسنة والإجماع كما هو معروف.

ب - الخراج: وهو ما يوضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها (90) وقد ذكر الماوردي أوجه الاشتراك والاختلاف حيث من أوجه الاشتراك أن كلا منها مأخوذ من كافر ويصرف في مصارف الفيء، ولا يستحق إلا بحلول الحول، وأما أوجه الاختلاف فهي أن الجزية ثبت باجتهاد، وأن الجزية تسقط بالإسلام، والخراج يؤخذ مع الكفر والإسلام، وان الجزية على الرؤوس والخراج على رقبة الأرض. (91)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت