قال الباحث: كلام الحافظ السابق يؤيد صحة هذا الإجماع، وما نقله القرطبي يعارض ذلك، ويوضح أن في المسألة خلافًا، وكذا ما قاله ابن المنذر، وقد نقل الخلاف في هذه المسألة عددٌ من الأئمة [1] .
وقد نقل الحافظ عن ابن عباس - رضي الله عنه - فيمن نسي المضمضة والاستنشاق في الجنابة وصلى؟ قال: ينصرف، فيتمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة. رواه سعيد في سننه [2] .
ولعل الإمام أحمد اعتمد في هذه المسألة على هذا الأثر. وإن كان في هذا مناقشة؛ لأن الأثر في صحته نظر - كما سيأتي - فلا يمكن أن يعتمد عليه أحمد، ما لم يخف عليه ضعفه، وهذا بعيد. والله أعلم.
وبالرجوع إلى مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة [3] لم أقف على نصوصٍ صريحة عن السلف في إيجاب المضمضة والاستنشاق، ومن صرّح منهم بذلك، فقد ثبت عنه الرجوع عنه، إلا أثر ابن عباس - رضي الله عنه - السابق، وهو أثر ضعيف؛ حيث إنه جاء من طريق: أبي حنيفة، عن عثمان بن راشد، عن عائشة بنت عجرد عند الإمام الدارقطني [4] ، وجاء من طريق: حجاج بن أرطأة، عن عائشة بنت عجرد عند ابن أبي شيبة في المصنف [5] .
قال الشافعي:"وعثمان وعائشة غير معروفين ببلدهما" [6] . وقال الدارقطني:"ليس لعائشة بنت عجرد إلا هذا الحديث، عائشة بنت عجرد لا تقوم بها حجة" [7] ، وأما الحجَّاج فليس بحجة [8] .
وكلام الحافظ السابق يؤيد عدم ثبوته، أو أنه قد ثبت عنه الرجوع عن إيجاب الإعادة، أو يحمل على السنية والاحتياط. والله أعلم.
(1) ينظر: جامع الترمذي 1/ 178، والأوسط لابن المنذر 1/ 377، والمغني 1/ 166، والمجموع 1/ 400، والإفصاح لابن هبيرة 1/ 64.
(2) فتح الباري 1/ 208، ولم أقف على الأثر في المطبوع من سنن سعيد بن منصور، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 1/ 179.
(3) مصنف عبد الرزاق 1/ 513 وغيرها، ومصنف ابن أبي شيبة 1/ 125، 197.
(4) سنن الدارقطني 1/ 116، ولفظه: (في جنب نسي ... ) .
(5) المصنف لابن أبي شيبة 1/ 179.
(6) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي 1/ 179، ونصب الراية للزيلعي 1/ 79.
(7) السنن للدارقطني 1/ 115.
(8) ينظر: السنن الكبرى للبيهقي 1/ 179.