لكن الإشكال - عندي - أني وجدت الأصحاب والمحققين من الحنابلة ينسبون جازمين القول بالوجوب لأحمد قاصدين الإيجاب الاصطلاحي ليس أحد منهم يَدفعه! بل هو المذهب المعتمد له عندهم - كما سبق -، وهم أعلم الناس بكلامه ومقاصده.
ثانيًا: أما عن ما نقله ابن قاسم عن ابن المنذر من أنه لا خلاف في أن تاركهما لا يعيد،
فإنه قد بان للباحث أن هذا الإجماع إنما هو عن الشافعي نقله عنه ابن المنذر! [1] ، وليس عن ابن المنذر كما يوهمه نقل الشيخ عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله - الذي سبق ذكره.
ثم وقفت على قول الشافعي:"ولم أعلم المضمضة والاستنشاق على المتوضئ فرضًا، ولم أعلم اختلافًا في أن المتوضئ لو تركهما عامدًا أو ناسيًا وصلى لم يُعد" [2] . اهـ.
وعلى قوله:"ولا أحب لأحد أن يدع المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، وإن تركه أحببت له أن يتمضمض، فإن لم يفعل لم يكن عليه أن يعود لصلاة إن صلاها" [3] . اهـ.
-ويبقى النظر هل ما نقله الشافعي من الإجماع ثابت - وهو من هو! - أم لا؟
قال الحافظ ابن حجر معلقًا على الإجماع الذي نقله الشافعي مما جعله لا يوجب الاستنشاق:"وهذا دليل قوي؛ فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة" [4] اهـ.
وقال ابن المنذر معلقًا على إجماع الشافعي:"ولو علم في ذلك اختلافًا لرجع إلى أصوله أن الأمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الفرض ..." [5] اهـ.
وقال العلامة القرطبي:"وقال عامة الفقهاء: هما سنتان في الوضوء والغسل" [6] اهـ.
(1) ينظر: الأوسط لابن المنذر 1/ 380.
(2) الأم للشافعي 2/ 54.
(3) الأم 2/ 88.
(4) فتح الباري لا بن حجر 1/ 262.
(5) الأوسط 1/ 380.
(6) الجامع لأحكام القرآن 6/ 78.