الحاجة- يتلطخ في أوحال خطيئته غير مؤهل لدعاء الله، فإذا فعل ذلك هبط إلى دركة أخرى: فما دام هذا المقبور مكرما فليس بممتنع أن يعطيه الله القدرة على التصرف في بعض الأمور التي لا يقدر عليها طالب الحاجة، فَيُدْعَى صاحب القبر، ويرجى، ويخشى، ويستغاث به، ويطلب المدد منه، ولم لا ؟! فهو صاحب (السر) الذي توجل منه النفوس ، وترتجف له القلوب، وتتحير فيه العقول! فإذا فعل ذلك هبط إلى دركة -ليست أخيرة- حيث يتخذ قبره وثنًا، يعكف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبنى عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به، وتقبيله واستلامه، والحج إليه، والذبح عنده، ثم ينقله الشيطان دركة أخرى: إلى دعاء الناس لعبادته، واتخاذه عيدًا ومنسكًا، وإن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم، فيكون الشيطان بهذه الحيل قد تدرج بأهل البدع من نور الإسلام إلى ظلام الشرك.
ولقد انتشرت في المدينة النبوية كما في غالب المدن والقرى هذه المظاهر فشيدت القباب على الأضرحة، وأنشأت المساجد على القبور، وأقيمت مزارات ومشاهد، وزينت بالسرج والقناديل، ولجأ إلى رحابها المسافر والمقيم، وهرع نحوها العلماء قبل الجهال، والجميع يرتمون بساحاتها، ويتمرغون في جنباتها، ويلثمون أعتابها، فتراهم من حولها يطوفون، وبأصحابها يستغيثون ويستعينون، وفي عرصاتها يهريقون دماء نذورهم وقرابينهم.
وصدق الصنعاني رحمه الله حيث وصف هذه الحال بقوله:
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود ليس ذلك من ودي
وكم هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضظر بالصمد الفرد
وكم نحروا في سوحها من نحيرة ... أهلت لغير الله جهلًا على عمد
وكم طائف حول القبور مقبلًا ... ويلتمس الأركان منهن بالأيدي
ورغم نهي النبي(الشديد عن بناء المساجد على القبور، وتعيين قبره خاصة بالنهي إلا أن الخلوف من المسلمين لم يراعوا لهذه النصوص حرمة فيقفوا عند حدودها وذلك حين بنوا قبة على قبره الشريف.
وما زال الملوك يبالغون في تحسينها ورفع سمكها ويقومون بإهدائها كثيرًا من قناديل الذهب والفضة والجواهر الفاخرة واللآلئ الثمينة ، والأحجار الكريمة وقطع الألماس التي لا تقدر بثمن.
وقد أحصى بعض العلماء مدخرات هذه الحجرة عام: (1327هـ) فقدرها بسبعة ملايين من الجنيهات، وهذا التقدير بعملة تلك الأيام، ولو قدر ثمنها بالعملات الحالية لبلغت مئات الملايين أوألوف الملايين.
ومن هذه المدخرات إحدى وثلاثون مشكاة ذهبية مرصعة بالألماس والزمرد والياقوت وكثير من ثريات الذهب والفضة، ومائة مصباح ستة منها من الذهب والفضة. ومقابل الوجه الشريف حجر من الألماس البرلانتي في حجم بيضة الحمام الصغير يحيط به إطار من الذهب المرصع ويسمى بالكوكب الدري لشدة تألقه، وهو مثبت في لوحة من الذهب محاط بمائتين وسبع وعشرين قطعة كبيرة من الجواهر الثمينة. بالإضافة إلى كثير من عقود اللآلئ والمرجان وشمعدانات من الذهب الخالص المرصع بالجواهر الكريمة منها اثنان كبيران طول الواحد منهما نحو المترين. وإلى جانب هذه الشمعدانات مكانس من