ربنا أولى بنا من أنفسنا , تراه لا يهدأ , ولا يركن حتى تزول الغمة , تراه يتغير لونه إشفاقا على أمته من أن يحل بها ما حل بمن قبلها , مع أنه لم يدع على أمته , ولم يظهر تبرما , ولم ييأس من هدايتهم , لكن ما زال هناك مكذبون , مازال هناك من ينكرون نبوته , ورسالته , وما أدراه لعل هؤلاء يكونون سببا للعذاب , ومن هنا لا يُسرّ عنه حتى تنزاح الغمة , وتهدأ الريح , وينزل المطر , وتزول كل المعالم التي كانت مقدمة لإهلاك الأمم السابقة. وتتعجب السيدة عائشة من هذه الحركات , وهذا الاضطراب فتسأل وتقول: (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ , وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ؟ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ , عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ , وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا:"هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا") ومن دلالة الحال ما يظهر عليه صلى الله عليه وسلم من أمارات الغضب , تبين وقوع البعض في مخالفات نهى عنها , أو أفعال لم يأمر بها , تشديدا على أنفسهم , ورغبة في التقرب إلى الله تعالى والوصول إلى أعلى مراتب الطاعة , وفي كل ذلك يظهر الغضب على وجهه حتى يعرفوا حجم المخالفة. ومن ذلك: ما رواه عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ سَأَلَهُ إِبِلًا مِنْ الصَّدَقَةِ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ وَكَانَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ أَنْ تَحْمَرَّ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَسْأَلُنِي مَا لا يَصْلُحُ لِي وَلا لَهُ فَإِنْ مَنَعْتُهُ كَرِهْتُ الْمَنْعَ وَإِنْ أَعْطَيْتُهُ أَعْطَيْتُهُ مَا لا يَصْلُحُ لِي وَلا لَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لا أَسْأَلُكَ مِنْهَا شَيْئًا أَبَدًا"وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ قَالَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيضَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَة. وعنْ عَائِشَةَ - رض الله عنها قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرٍ فَتَنَزَّهَ عَنْهُ نَاسٌ مِنْ النَّاسِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخِّصَ لِي فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً"وقالت: قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم من الأعمال بما يطيقون فقالوا إنا لسنا كهيئتك إن الله غفر لك فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه"ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب حتى يحمر وجهه وتدر عروقه لله وفي الله، وغير ذلك كثير من الأمور التي جمع فيها رسول الله بين الغضب الشديد , وبين الإرشاد بالكلام , فصار الغضب مقاما , يحيط بالكلام , فيوجه دلالته , ويأخذ بناصية المعنى إلى حيث التحذير , فللغضب في مثل هذه المقامات فائدة بيانية , وهي إشعار المخاطب بخطورة الأمر , ليتيقظ , وينتبه أنه يخالف الأمر الشرعي , ويعلم أن في الأمر إنذارا , وخطورة تطلبت الانزعاج ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يشفقون من غضبة خشية أن يكون غضبه لأمر يعمهم بعذاب , وعند البخاري"عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ غَضِبَ وَقَالَ سَلُونِي فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ , ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ , فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ بن الخطاب مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْغَضَبِ قَالَ: إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ففي الغضب إنذار , وفي الغضب تحذير , وفي الغضب تشديد , وفي الغضب زجر وتهديد , ولذا جثا سيدنا عمر على ركبتية مسترضيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ينفضّ هذا الموقف , فكثرة السؤال منهم , تشير إلى وجود شك في رسالته , لذا خرج عليهم غاضبا , وكثرة السؤال منهم تفتح أبوابا من الأولى أن تظل مغلقة , فكانت إجاباته عليهم كلسع اللهب الذي اكتووا منه , فهذا يسأله أين أنا؟ قال له أنت في النار , وآخر يسأله من أبي؟ فيخبره عن نسب غير نسبه فكان من حكمة سيدنا عمر أن أسرع بالركوع أمامه واسترضائه لينفض هذا الموقف , ويزول هذا الغم , وقد كان. . وإذا كان للغضب دلالاته فإن للبشر والسرور والضحك معانيه التي يشعر بها كل من حضر , وشاهد , لأنها حالات ترسل للمتلقي رسائل دلالية مفادها: الرضى الكامل بما حدث , والرغبة في تكرار الأمر الذي بسببه حصل البشر , وإشعار المتلقي بكمال الأمن والطمأنينة , وزوال الخوف والقلق , وكل ذلك معان قامت هذه الوسائل المصاحبة للكلام بإرسالها إلى المتلقي , وقد تستقل بالدلالة دون الكلام ولذلك حين أتت رسل الله إبراهيم بالبشرى جاؤوه في هيئة الأضياف حتى أنه لم يعرفهم , وعبر القرآن الكريم عن الفرح والسرور الذي أحاط بامرأته فقيل"وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) فحين زال خوفها ضحكت تعبيرا عن سرورها , فكأنها أرادت أن تعبر عن كمال رضاها بالبشرى , وقبولها لهذه البشارة , وكمال الطمأنينة التي أحاطت بها بعد الخوف , فلم تتكلم بهذه المعاني بل أرسلتها من خلال الفرح والسرور والضحك. وقد يكون الضحك أمارة على تصديق القول كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، حين جاءه حبر من أحبار اليهود، فجلس إليه، فقال له النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:"حَدِّثْنا، قال: إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة، جعل السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والماء والشجر على أصبع، وجميع الخلائق على أصبع ثم يهزهنّ ثم يقول: أنا الملك، قال: